أخبار عاجلة
“أشلاء امرأة”.. روحٌ في متاهة مرعبة!

“أشلاء امرأة”.. روحٌ في متاهة مرعبة!

متابعة بتجـــــــرد: يجد المشاهدُ نفسَه في بحر من الألم، وهو يتابع فيلم Pieces of a Woman (أشلاء امرأة)، الذي بدأت شبكة “نتفليكس” عرضه في السابع من الشهر الجاري.

فالفيلم من العيار الثقيل، ووصفه النقاد بأنه صعب المشاهدة، واعتبرت بطلته فانيسا كيربي دورها فيه الأصعب فى مسيرتها الفنية. وقالت: “إنني أبحث دائماً عن الأصعب، إلا أنني لم أتصوّر أن تصل الأمور إلى هذا الحد”!

وحظي الفيلم بتقييم إيجابي، منذ عرضه للمرة الأولى في مهرجان البندقية السينمائي الدولي سبتمبر الماضي، وفازت كيربي بكأس فولبي لأفضل ممثلة، ورشّحها النقاد للفوز بجائزة الأوسكار عن دورها في الفيلم، كما حظي أداء الممثلين كيربي وشيا لابوف وألين بورستين بالإعجاب والثناء.

كتبت سيناريو الفيلم كاتي ويبر، من وحي تجربة قاسية مرت بها، واستعدت فانيسا لدورها بقضاء فترة في أحد مستشفيات لندن، عايشت خلالها عمليات الولادة وآلامها.. فما قصة الفيلم؟

الصدمة والآلام

مارثا (فانيسا كيربي) وشون (شيا لابوف) زوجان على وشك أن يُصبحا أبوين. يقدّم شون صور الموجات فوق الصوتية للجنين الى زوجته لتعلّقها في غرفة المولودة المنتظرة.. يأتي “مارثا” المخاضُ، فيتصل “شون” بالقابلة، فيجدها مشغولة، وترسل “إيفا” لتقوم بالمهمة.. تعاني مارثا الغثيان والقلق، والألم الشديد، وتلحظ القابلة انخفاضاً خطراً لمعدل ضربات قلب المولودة، فتخبر “شون” بضرورة الذهاب إلى المستشفى، لكن “مارثا” ترفض ذلك، وترى أن الولادة توشك ان تتم بسلام. وتلد ابنتها، لكن لون المولودة يتحوّل إلى الأزرق. وتحاول القابلة إنعاشها، لكنها تسلِّم الروح.

تتلقى “مارثا” صدمة نفسية وعاطفية كبيرة، تتركها محطمة غارقة في حزن عميق، لا تستوعب ما حدث، ولا تتحمل فقد مولودتها التي طال انتظارها. كما تركت المأساة زوجها “شون” في مهب الضياع، يريد أن يساعد زوجته، لكنه يريد إجابة شافية للسؤال عن سبب وفاة ابنته.

تعصف المأساة بالعلاقة بين الزوجين، وبعلاقاتهما مع الآخرين. تحمّل والدة “مارثا” ابنتها المسؤولية عن وفاة المولودة، لأنها اختارت الولادة في المنزل. وتنشأ علاقة غرامية بين “شون” و”سوزان”، ابنة عم مارثا، ويعود لتعاطي الكوكايين الذي ابتعد عنه ست سنوات. تعرض الأم على “شون” المال ليغادر ولا يعود أبداً، فيغادر.

يتعين على “مارثا” استعادة ثقتها بنفسها وبالناس مرة أخرى. ويبدأ ذلك بالقابلة “إيفا”، التي تواجه محاكمة بتهمة القتل الخطأ. تشهد “مارثا” المحاكمة، ويسمح لها القاضي بمخاطبة المحكمة، فتقول ان “إيفا” ليست مذنبة، وانها لا تلومها.

التفاصيل ذات الدلالة البليغة تقول الكثير. تنثر “مارثا” رماد ابنتها في النهر. تستنشق مارثا رائحة تفاحة، ثم تغلف بذورها الصغيرة بقطن مبلل، وتضعها برفق في الثلاجة، وفي ما بعد تجد أن البذور تنبت. وبعد سنوات، تتسلق فتاة صغيرة شجرة تفاح، فتساعدها مارثا على النزول.

مشهدان رائعان

كُتِب الكثير، وقِيل الكثير عن الفيلم وما حمل من وجع وأسئلة، وعن تألق فانيسا كيربي في دور “مارثا” بعد تألقها في دور مارغريت، في مسلسل “التاج” الذي قدمته “نتفليكس”.

سلطت الناقدة السينمائية جانيت كاتسوليس في “نيويورك تايمز” الضوء على “مشهدين رائعين” في الفيلم: المشهد الأول هو لقطة افتتاحية متصلة؛ مدتها قرابة نصف ساعة، نرى فيها عملية الولادة في المنزل، ومشهد في منتصف الفيلم تقريبا يجمع الزوجين الغارقين في الحزن، يحاول فيه “شون” التقرّب من “مارثا”، المكتئبة، المنطوية على نفسها، مادّاً يده بشيء من العدوانية. يقول هذا المشهد الكثير، بلغة الجسد، عن الصراع الداخلي الذي يعيشه كلا الزوجين، والصراع بينهما، والحاجة الى الشعور بشيء غير الفقد والفراغ.

ولاحظت الكاتبة ان “لابوف” يجسّد شعوراً بالوحدة المؤثرة في الشخصية التي تسعى، مدفوعة بانسحاب الزوجة، إلى التواصل في مكان آخر، وان السيناريو يظهر بوضوح كيف يمكن لخسارة لا يمكن تصورها أن تؤدي إلى سلسلة انهيارات. وخلصت الناقدة الى ان الفيلم دراسة رائعة للتمزّق وإعادة البناء، تبين أننا حين نحب نتشارك مشاعر الحب، لكننا حين نحزن، نحزن وحدنا!

سؤال مذهل..!

الفيلم يطرح، بقوة، سؤالاً مذهلاً: ماذا تفعل المرأة بعد انتهاء حملها بموت؛ بدلاً من حياة جديدة؟

هذا ما كتبه الناقد جو مورجنشتين في “وول ستريت جورنال”، مؤكدا ان أي فيلم آخر لم يصور عملية الولادة كما صورها هذا الفيلم. وأشار الى أداء كيربي “الرائع”، سواء وهي تعاني من الحزن على خسارتها، او حين تستطلع العالم من حولها مخدرة، وكأنها غريب جاء من كوكب بعيد.

وتساءل الناقد: هل ترقى مشاهد الفيلم الى مستوى المشهد الأول المؤلم؟ وأجاب: لسوء الحظ، لا.

ورأى ان العلاقة التي تنشأ بين “شون” والمحامية سوزان (سارة سنوك) غير مقنعة، لا سيما اننا لا نعرف شيئا عن العلاقة بينهما قبل المأساة. وتساءل: لماذا تقرر ان تتم الولادة في المنزل؟ وأخذ الناقد على الفيلم الاهتمام بمسألة الاتهام والمحاكمة، على حساب العناية بتدفّق السرد، بحيث يتيح للشخصيات الكشف عن أبعادها بشكل تدريجي وكامل “هل يمكن كسب أي شيء، بجعل شخص ما يدفع ثمن خسارة لا يمكن تعويضها؟”.

يبدو أن كاتبة السيناريو كانت أمينة لتجربتها الشخصية المؤلمة على حساب مقتضيات الصنعة الفنية!

حافة الرعب

توقف الناقد تيري وايت في “إمباير” عند مشهد الولادة الذي “يقترب من الرعب الجسدي”، والذي تم تصويره بحامل للكاميرا، فهو لا يتسم بالحركة السريعة المتواصلة التي نجدها في افلام الرعب، بل يتمتع بالكثافة والإحساس الغامر. واشار الى لقطة لذراع مارثا، على جانب حوض الاستحمام، لا تتحرك، ومارثا تتأوه، والتوتر يتصاعد الى درجة لا تطاق احيانا، ولا تمكن مشاهدتها تقريباً.

كما اشار الناقد الى ابراز التناقضات المقصودة في الكتابة والاخراج والتمثيل، بين عذاب شون الواضح للعيان، في تصرفاته؛ كعودته إلى الكوكايين والسجائر والنبيذ للهروب، وعذاب مارثا التي انطوت على نفسها، يعصر الألم قلبها، مخدرة غارقة في ألم هائل لا يحتمل.

وقال ان “الفيلم، عندما يتلعثم، فإن ذلك يحدث جزئياً، لأنه لم توجد لغة بعد لهذا الموضوع في السينما. إنه بالغ القسوة لا يمكن توصيله، وكل ما يتبقى هو الصمت والغياب”.

Pieces of a Woman

النوع: دراما. ب

طولة: فانيسا كيربي، شيا لابوف، مولي باركر، سارة سنوك وإلين بورستين.

سيناريو: كاتا ويبر.

إخراج: كورنيل موندروكزو.

المنتج التنفيذي: مارتن سكورسيزي.

مدة العرض: ساعتان و6 دقائق.

التقييم

روتن تماتوز: 76 %

آي إم دي بي: 7 من 10

ميتاكريتيك: 69 %

الغارديان: 3 من 5 نجوم

المخرج والكاتبة زوجان مرّا بالتجربة القاسية

انقلاب مشاعر الفرح التي يستقبل بها الزوجان مولودهما، الى مأساة وحزن عميقين، لموت الطفلة المنتظرة، لحظة مجيئه االى الدنيا؛ تجربة عانى قسوتها وتجرّع مرارتها المخرج كورنيل موندروتشو وزوجته الكاتبة كاتا ويبر، وكانت رحلة كتابة وإخراج أشلاء امرأة، والبحث عن لغة سينمائية تصور التجربة، بمنزلة رحلة علاج للزوجين، فتح كل منهما عقله وقلبه للآخر، وفكّرا معا في المأساة والخسارة والألم، كما فكرا في الحب والنعمة وانتصار الروح.

في البداية، قدمت كاتيا تجربتها في مسرحية، وكان تجاوب الجمهور معها مذهلا؛ إذ جاء كثيرون الى الزوجين، ليقولوا انهم عانوا هذه التجربة، وشعروا بآلام لا تطاق، وعانوا الضياع الروحي. لقد كسروا جدار الصمت الذي كان محيطا بهذه القضية الانسانية، فقرر موندروتشو وويبر نقل التجربة الى شاشة السينما.

Loading...
إلى الأعلى