أخبار خاصة

وقفت حتى النهاية.. أسرار الأيام الأخيرة في حياة الملكة إليزابيث الثانية

متابعة بتجــرد: لم تستطع الملكة إليزابيث الثانية أن تختار كيف ستنتهي حياتها، لكنها حافظت، حتى أيامها الأخيرة، على حقها في اختيار الصورة التي أرادت أن تبقى في ذاكرة العالم. وفي الذكرى الرابعة لرحيلها، تكشف كتب السيرة وشهادات المقربين تفاصيل جديدة عن المرحلة التي بدأ فيها المرض والشيخوخة يفرضان إيقاعهما على حياتها، من دون أن تسمح لهما بتغيير صورتها التي صنعتها على امتداد سبعين عاماً فوق العرش.

خلف الابتسامات الرسمية والمصافحات التي وثّقتها الكاميرات، كانت هناك امرأة يفرض جسدها عليها قيوداً متزايدة، بينما تتمسك بأداء واجباتها وتحاول الموازنة بين ما يتطلبه التاج وما تسمح به صحتها.

خريف 2021.. بداية التراجع الصحي

لم تبدأ قصة الأيام الأخيرة في قلعة بالمورال، حيث توفيت الملكة، ولم يكن تراجع حالتها الصحية في أيلول (سبتمبر) 2022 مفاجئاً كما قد توحي صورتها الأخيرة.

ففي خريف 2021، ظهرت أولى العلامات الواضحة على تغير حالتها الجسدية، عندما شوهدت تستخدم عصاً للمشي خلال مناسبة في كنيسة وستمنستر، في مشهد نادر لملكة اعتاد العالم رؤيتها تؤدي جدولاً مزدحماً من الالتزامات الرسمية من دون أن يظهر عليها أثر السنوات.

وبعد فترة قصيرة، ألغت إليزابيث الثانية زيارة رسمية إلى أيرلندا الشمالية بناءً على نصيحة أطبائها، ثم أمضت ليلة في المستشفى لإجراء فحوص وُصفت رسمياً بأنها «أولية». وكانت تلك أول إقامة لها في المستشفى طوال الليل منذ عام 2013، قبل أن تعود إلى قلعة وندسور وتستأنف ما وصفه القصر حينها بـ«المهام الخفيفة».

ولم يكشف القصر عن تشخيص محدد، محافظاً على خصوصية حالتها الصحية، إلا أن الإشارات أصبحت أكثر وضوحاً: عصا في يدها، خطوات أبطأ وجدول رسمي يخضع للتعديل وفقاً لقدرتها على الحركة.

ومع مرور الأشهر، اعتمد قصر باكنغهام تعبير «مشكلات متقطعة في الحركة» لوصف حالتها، إلى أن اضطرت في أيار (مايو) 2022 إلى التغيب عن افتتاح الدورة الجديدة للبرلمان البريطاني، وهي مناسبة دستورية نادراً ما غابت عنها خلال فترة حكمها. وتولى الأمير تشارلز، ولي عهدها آنذاك، قراءة خطاب الملكة نيابةً عنها.

لم يكن غيابها إعلاناً عن انسحابها من الحياة العامة، بل بداية لمرحلة أعادت فيها ترتيب أولوياتها، فاختارت المناسبات التي تستطيع حضورها والمدة التي تسمح بها صحتها، في محاولة دائمة للتوفيق بين واجبات العرش وحدود الجسد.

اليوبيل البلاتيني.. حضور محسوب في مناسبة تاريخية

بعد أسابيع، جاءت احتفالات اليوبيل البلاتيني، لتضع الملكة أمام واحدة من أهم المناسبات في تاريخها وتاريخ الملكية البريطانية: مرور سبعين عاماً على جلوسها فوق العرش، وهي مدة لم يبلغها أي ملك بريطاني قبلها.

أدركت إليزابيث الثانية أنها لن تتمكن من المشاركة في البرنامج كاملاً، فتحول اختيار لحظات الظهور إلى جزء أساسي من حضورها. وغابت عن عدد من الفعاليات، بينها قداس الشكر في كاتدرائية القديس بولس، لكنها ظهرت على شرفة قصر باكنغهام، مستندةً إلى عصاها ومحاطةً بأفراد العائلة المالكة، أمام الحشود التي احتشدت للاحتفال بها.

لم يكن ظهورها القصير مجرد مشاركة بروتوكولية، بل بدا بمثابة استجابة لجمهور أراد رؤيتها في المناسبة التاريخية، ورسالة تؤكد أن وجودها، مهما كان محدوداً، لا يزال يحمل معنى يتجاوز قدرتها على استكمال الاحتفالات.

وفي ختام اليوبيل، وجّهت الملكة رسالة إلى البريطانيين أقرت فيها بأنها لم تستطع حضور جميع المناسبات شخصياً، لكنها أكدت استمرار التزامها بخدمتهم «على أفضل ما تستطيع». وحملت عبارتها اعترافاً هادئاً بتراجع قدرتها الجسدية، مقروناً بإصرار واضح على ألا يتحول المرض إلى العنوان الوحيد لمرحلتها الأخيرة.

بعد انتهاء الاحتفالات، انتقلت إليزابيث الثانية إلى قلعة بالمورال لقضاء الصيف. ولم يكن المكان بالنسبة إليها مجرد مقر ملكي موسمي، بل مساحة ارتبطت بحياتها الخاصة وعائلتها واهتمامها بالطبيعة والخيول والكلاب، بعيداً عن صخب لندن وصرامة المراسم الرسمية.

6 سبتمبر.. القصة وراء صورة الملكة الأخيرة

في صباح السادس من أيلول (سبتمبر) 2022، وصل بوريس جونسون إلى بالمورال لتقديم استقالته رسمياً من منصب رئيس الوزراء، ثم وصلت ليز تراس لتكلّفها الملكة بتشكيل الحكومة الجديدة، لتصبح رئيسة الوزراء الخامسة عشرة والأخيرة في عهد إليزابيث الثانية.

كان إجراء مراسم انتقال السلطة في بالمورال حدثاً استثنائياً، بعدما حالت مشكلات الحركة دون عودة الملكة إلى لندن. وفي الغرفة الهادئة داخل القلعة، ظهرت إليزابيث بملابسها الريفية المألوفة، مرتديةً تنورة من الترتان وسترة صوفية، ومتّكئةً على عصاها، قبل أن تمد يدها لمصافحة ليز تراس بابتسامتها المعهودة.

بدت آثار العمر والتعب واضحة على جسدها، لكنها ظهرت هادئة ومدركة تماماً لما تقتضيه اللحظة. وقالت تراس لاحقاً، في رواية نقلها المؤرخ الملكي روبرت هاردمان، إن الملكة أصرت على الوقوف لتحيتها، وإنها بدت متعبة جسدياً، لكنها ظلت يقظة وحاضرة خلال اللقاء الذي استمر نحو عشرين دقيقة.

وتحدثت تقارير لاحقة عن استخدام الملكة كرسياً متحركاً أحياناً في حياتها الخاصة بعيداً عن الكاميرات، فيما أشار هاردمان إلى أن معاناتها الأساسية كانت مرتبطة بالحركة، من دون مؤشرات على تراجع قدراتها العقلية.

أما بوريس جونسون، فوصف في مذكراته «Unleashed» ما رآه خلال لقائه الأخير بها، متحدثاً عن شحوب واضح وانحناء أكبر في قامتها وكدمات داكنة في يديها ومعصميها، قال إنها قد تكون مرتبطة بالحقن أو المحاليل الطبية. ورغم ذلك، أكد أن ذهنها ظل حاضراً وأن ابتسامتها لم تتغير.

انتهى اللقاء وغادرت الكاميرات، من دون أن يعرف العالم أن الصورة الملتقطة في ذلك اليوم ستصبح آخر صورة رسمية للملكة.

بين الشيخوخة وشهادات المرض

بعد وفاة إليزابيث الثانية، ظهرت روايات أعادت فتح الأسئلة حول حقيقة وضعها الصحي خلال أشهرها الأخيرة.

وكتب جايلز براندرث في كتابه «Elizabeth: An Intimate Portrait» أنه سمع بأن الملكة كانت تعاني من أحد أشكال المايلوما، رابطاً ذلك بالتعب وفقدان الوزن ومشكلات الحركة. كما قال بوريس جونسون في مذكراته إنه كان يعلم، بحسب ما نُقل إليه، أنها تعاني من أحد أشكال سرطان العظام، وإن الأطباء كانوا يخشون تدهور حالتها بصورة مفاجئة.

لكن هذه الروايات لم تتحول إلى تشخيص طبي رسمي معلن، إذ سجّلت شهادة الوفاة «الشيخوخة» سبباً للوفاة. ولذلك بقي الحديث عن السرطان في إطار شهادات منسوبة إلى أصحابها، لا معلومات طبية أكدها القصر الملكي.

وبصرف النظر عن اسم المرض، كان تراجع صحة الملكة واضحاً خلال عامها الأخير، من استخدام عصا المشي وتكرار الغياب عن المناسبات، إلى تقليص ارتباطاتها الرسمية واعتمادها على المساعدة في الحركة.

الساعات الأخيرة في بالمورال

في اليوم التالي للقاء ليز تراس، قبلت الملكة نصيحة أطبائها بالراحة، وأعلن قصر باكنغهام إلغاء اجتماع افتراضي لمجلس الملكة الخاص كان مقرراً مساءً.

وقال القصر إن الملكة أمضت «يوماً كاملاً» في أداء مهامها في السادس من سبتمبر، ولذلك بدا قرار الراحة امتداداً طبيعياً لجدولها المخفف. لكن روايات ظهرت بعد وفاتها كشفت أن وضعها الصحي كان يتجه سريعاً إلى مرحلة أكثر خطورة.

وبحسب روبرت هاردمان، بدت الملكة مساء السادس من سبتمبر أكثر نشاطاً مما قد توحي به حالتها الجسدية، قبل أن تصعد إلى غرفتها وتتناول العشاء بمفردها. وفي اليوم التالي، أمضت وقتاً أطول في السرير، بينما بدأت دائرة العائلة والمقربين تدرك خطورة الوضع.

وأُبلغ الأمير تشارلز بضرورة التوجه سريعاً إلى والدته، فيما كانت هناك مناقشات حول كيفية التعامل مع احتمال عجز الملكة عن ممارسة مهامها الدستورية. ولم تصل الأمور إلى إعلان الوصاية، إلا أن طرح هذا الاحتمال عكس حجم القلق الذي أحاط بساعاتها الأخيرة.

استدعاء العائلة الملكية للحظات الوداع

في صباح الثامن من أيلول (سبتمبر)، أصدر قصر باكنغهام بياناً مختلفاً عن بياناته الصحية السابقة، أعلن فيه أن أطباء الملكة أصبحوا «قلقين بشأن صحتها»، وأوصوا ببقائها تحت الإشراف الطبي، مؤكداً أنها كانت مرتاحة في بالمورال.

حمل البيان القصير دلالة واضحة على أن الوضع تجاوز حدود التعب أو الحاجة إلى الراحة، فتحرك أفراد العائلة المالكة نحو القلعة. وكانت الأميرة آن والأمير تشارلز موجودين بالفعل في إسكتلندا، فيما توجّه الأمير وليام والأمير أندرو والأمير إدوارد وزوجته صوفي جواً إلى أبردين.

وفي الساعة الثالثة وعشر دقائق من بعد ظهر ذلك اليوم، توفيت الملكة إليزابيث الثانية عن 96 عاماً في قلعة بالمورال، قبل أن يعلن القصر الخبر رسمياً، لتنتهي سبعة عقود من أطول فترة حكم في تاريخ الملكية البريطانية.

رحيل هادئ أثناء النوم

كشفت التفاصيل التي ظهرت لاحقاً أن الساعات الأخيرة للملكة جاءت هادئة، على نحو يتناقض مع ضخامة اللحظة التاريخية التي كان العالم على وشك استقبالها.

ونقل روبرت هاردمان مضمون مذكرة كتبها السير إدوارد يونغ، السكرتير الخاص للملكة، وحُفظت في الأرشيف الملكي، أفادت بأن إليزابيث الثانية رحلت أثناء نومها بهدوء ومن دون ألم.

وبعد أيام، عبّرت الأميرة آن عن امتنانها لأنها كانت قريبة من والدتها خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة، ووصفت مرافقتها في رحلتها الأخيرة بأنها «شرف وامتياز».

بعد سبعين عاماً عاشتها تحت أنظار العالم، بين القصور والزيارات الرسمية والمناسبات التاريخية، انتهت حياة إليزابيث الثانية في المكان الذي أحبته، وسط دائرة صغيرة من عائلتها والمقربين منها، وبعيداً عن الحشود والكاميرات.

الصورة التي اختارت أن تبقى

بعد أربع سنوات من رحيلها، تبدو صورة السادس من سبتمبر أكثر دلالة مما كانت عليه لحظة التقاطها. لم تكن إليزابيث الثانية في كامل قوتها الجسدية، ولم تُخفِ حاجتها إلى عصا تساعدها على الحركة، لكنها اختارت في آخر مناسبة دستورية لها أن تستقبل رئيسة الوزراء الجديدة بنفسها وتؤدي واجباً ظل جزءاً من مسؤوليتها حتى النهاية.

لم تكن وقفتها الأخيرة إنكاراً للمرض أو ادعاءً للقوة، بل تمسكاً بالدور الذي حملته طوال سبعين عاماً. وبينما كان جسدها ينسحب بهدوء، بقيت حريصة على ألا تنكسر صورة الملكة أمام العالم.

ولهذا، حين تُستعاد إليزابيث الثانية في ذكرى رحيلها، لن تكون الصورة الأبرز لامرأة أقعدها المرض، بل لملكة اختارت أن تودّع التاريخ واقفةً على قدميها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى