يارا.. صوتٌ يهزم السنوات وحضورٌ استثنائي يعيد «أخدني معك» إلى الواجهة

متابعة بتجــرد: لصوت يارا قدرة نادرة على اختصار المسافة بين الأغنية والقلب؛ يكفي أن تغنّي حتى تستعيد الكلمات دفئها، ويصبح للحن وجهٌ نعرفه وذاكرةٌ تخصّنا. وهذا ما منح إطلالتها في حفل النجم فضل شاكر على مسرح «عبادي الجوهر أرينا» في جدة بريقًا خاصًا، حين اجتمعت به لتقديم الديو الشهير «أخدني معك»، بعد عشرين عامًا على صدوره، وسط استقبال حافل وتفاعل جماهيري أعادا إلى الأغنية وهج اللقاء الأول.
حضرت النجمة اللبنانية بقيمة اسمٍ له مكانته الراسخة في الغناء العربي، وبصوتٍ يصعب أن يمرّ عابرًا في وجدان المستمع. وفي لقاءٍ استدعى عشرين عامًا من الذكريات، بدت يارا جزءًا أصيلًا من تلك الذاكرة، وصاحبة بصمة لا يمكن فصلها عن هوية العمل وسحره واستمراره. فثمة أصوات تؤدّي الأغنيات، وثمة أصوات تمنحها ملامحها التي تبقى؛ ويارا من تلك القلّة التي يعرفها القلب قبل أن ينتهي المقطع الأول.
وكانت الزوبعة التي رافقت إطلالتها امتدادًا لشوق الجمهور إلى هذا اللقاء؛ مفاجأة حملت معها فرحة استعادة ثنائي ارتبط بواحدة من الأغنيات الرومانسية المحبوبة، وحفاوة ظهرت في مشاركة الحاضرين الغناء وترديد كلمات العمل. هكذا اتّسعت اللحظة لتصبح احتفاءً بأغنية وبصوتين وبمرحلة كاملة من الذكريات، فيما استعادت «أخدني معك» حضورها في التغطيات الفنية ومقاطع الحفل المنشورة، بعد عقدين على انطلاقتها.
في قلب هذه الحفاوة، تتجلّى قيمة يارا الفنية. فهي تملك خامةً تجمع صفاء الصوت إلى عمق الإحساس، ورقّة التعبير إلى شخصية غنائية واضحة، تجعل حضورها مسموعًا حتى في أهدأ الجمل. في صوتها حنانٌ لا يضعف، وشجنٌ لا يثقل، وعذوبةٌ تحتفظ بخصوصيتها مهما تبدّلت الألحان. وتلك موازنة يصعب بلوغها؛ أن تمنح المستمع جمال الأداء، وأن تترك له، في الوقت نفسه، مساحةً ليجد مشاعره الخاصة داخل الأغنية.
أما إحساسها، فهو جوهر هذه الفرادة. تغنّي يارا كأنها تعرف ما تتركه الكلمة في النفس، وما يحتاجه المعنى من دفء، وما يحتمله الحنين من انكسار خفيف. تمنح العبارة العاطفية صدقها، وتحفظ للحن انسيابه، فيأتي التأثير من داخل الأغنية نفسها. ولهذا يظل صوتها قريبًا؛ لأن فيه ألفةً تجعل المستمع يشعر أن ما يسمعه كُتب لشيء عاشه، أو لحبٍّ ما زال يحتفظ به، أو لذكرى لم تفقد قدرتها على العودة.
ومن هنا، يكتسب اجتماعها مجددًا بفضل شاكر أهمية تتجاوز استعادة عمل ناجح. ففي «أخدني معك»، تقوم جاذبية الديو على حوارٍ بين شخصيتين غنائيتين، لكلٍّ منهما لونها وخصوصيتها. ويارا ركنٌ أساسي في هذا التكوين؛ لصوتها موقعه في المعنى، ولإحساسها أثره في بناء الحالة، ولحضورها تلك الرهافة التي تمنح الأغنية توازنها العاطفي. وعندما يعود الصوتان إلى اللقاء، تستعيد الأغنية صورتها التي أحبّها الناس، بكل ما تحمله من انسجام ودفء.
وعشرون عامًا ليست تفصيلًا في عمر أغنية. إنها مسافة تختبر قدرة العمل على البقاء، وعلى الاحتفاظ بمكانه وسط آلاف الإصدارات وتبدّل الأذواق ووسائل الاستماع. وقد أظهر تفاعل جمهور جدة أن «أخدني معك» ما زالت قادرة على استدعاء المحبة ذاتها. وأكّدت يارا، في حديثها عقب الحفل، استمرار حضور الأغنية في حفلاتها ومناسبات الأعراس، وارتباط الجمهور بها طوال هذه السنوات؛ وهو ما يمنح هذا اللقاء معناه الأعمق، بوصفه تجديدًا لعلاقة ظلّت حيّة بين العمل ومستمعيه.
وليارا في هذه الاستمرارية نصيبٌ أصيل. فالصوت الذي يترك أثرًا بهذا العمق يصبح جزءًا من حياة الناس، يرافق مناسباتهم وحكاياتهم، ويمنح ذكرياتهم نبرةً يمكن استعادتها بمجرد سماعه. تلك منزلة فنية تُبنى على المحبة المتراكمة، وعلى ثقة الجمهور بفنانة حافظت على هويتها، وجعلت من الرقيّ في الغناء سمةً ملازمة لاسمها. إنها نجومية تستمدّ قوتها من رسوخ الأثر، ومن قدرة الصوت على تجديد علاقته بالمستمع في كل لقاء.
ويزداد هذا الحضور جمالًا بما تحمله يارا من وفاء فني وإنساني. فقد عبّرت عقب الأمسية عن سعادتها باللقاء، وتحدّثت بمحبة عن فضل شاكر ودعمه لها في بداياتها، كما أكّدت اعتزازها بعلاقتها بالجمهور السعودي. كلمات منحت المشهد دفئًا إضافيًا، وكشفت عن فنانة تحتفظ للبدايات بقيمتها، وللمحبة بمكانها، حتى بعد مسيرة صنعت خلالها اسمًا كبيرًا وشخصية غنائية مستقلة.
في جدة، جدّدت يارا التأكيد على أن للصوت الجميل هيبته، وللإحساس الصادق سلطته، وللفنانة التي تعرف قيمة ما تقدّمه مكانةً تتعمّق مع السنوات. جاءت محمّلةً بتاريخ الأغنية، وأضافت إليه جمال الحاضر؛ فالتقى الحنين بصوتٍ ما زال يحتفظ بنضارته، والتقت الذكرى بفنانة يزداد حضورها رسوخًا كلّما غنّت.
وهذا هو سرّ يارا: أن تمرّ عشرون سنة، ويبقى في صوتها ما يجعل الأغنية تحدث في القلب للمرة الأولى.



