أخبار عالمية

مراجعة The Odyssey.. هل أغرق نولان أوديسيوس في متاهة الزمن؟

متابعة بتجــرد: بعد النجاح المدوي الذي حققه فيلم Oppenheimer، اتجهت الأنظار إلى الخطوة التالية في مسيرة المخرج كريستوفر نولان، قبل أن يفاجئ جمهوره بالعودة آلاف السنين إلى الوراء، لتقديم معالجة سينمائية لملحمة «الأوديسة» الخالدة للشاعر الإغريقي هوميروس.

وفي فيلم The Odyssey، الذي تبلغ مدته 173 دقيقة، يمزج نولان بين رؤيته الفنية الخاصة وضخامة الإنتاج التجاري، مقدماً مغامرة ملحمية مصممة أساساً للشاشة الكبيرة، تجمع بين الصراع النفسي والمشاهد البصرية المبهرة، وإن لم تخلُ من خيارات فنية وسردية قابلة للنقاش.

ملحمة العودة.. حرب انتهت وأخرى بدأت

تدور القصة حول «أوديسيوس»، الذي يجسد شخصيته مات ديمون، وهو ملك ومحارب وأب يغادر جزيرة «إيثاكا» للمشاركة في حرب طروادة، استجابةً لنداء «أغاممنون»، الذي يؤدي دوره بيني سافدي.

وبعد انتصار الإغريق بفضل حيلة «حصان طروادة»، تبدأ رحلة أوديسيوس الحقيقية، إذ يجد نفسه تائهاً في البحر ومطارداً بغضب الآلهة وقوى الطبيعة والكائنات الأسطورية، فيما تتحول رحلة العودة إلى مواجهة قاسية مع ماضيه وقراراته والنتائج التي خلّفتها الحرب.

وفي خط سردي موازٍ، ينتقل الفيلم إلى «إيثاكا»، حيث تخوض زوجته «بينيلوبي»، التي تؤدي دورها آن هاثاواي، وابنه «تيليماخوس»، الذي يجسده توم هولاند، معركة مختلفة داخل القصر.

فالخطّاب، بقيادة «أنتينوس» الذي يؤدي دوره روبرت باتينسون، يستنزفون ثروات الملك الغائب، ويمارسون ضغوطاً متواصلة على بينيلوبي لاختيار زوج جديد يتولى حكم المملكة.

ومن خلال تنقله بين رحلة الأب في البحر وصمود الأم والابن داخل القصر، يؤكد الفيلم أن الانتظار قد يكون قاسياً بقدر الحرب، وأن أفراد العائلة الثلاثة يخوضون، كلٌّ بطريقته، رحلة بقاء طويلة.

حصان طروادة وقنبلة أوبنهايمر

من أبرز جوانب الفيلم تفكيكه النفسي لشخصية أوديسيوس، إذ لا يقدمه نولان بطلاً أسطورياً منتصراً فحسب، بل رجلاً تطارده النتائج الأخلاقية لعبقريته العسكرية.

ويبدو «حصان طروادة» هنا امتداداً لهاجس سبق أن طرحه نولان في Oppenheimer: فكرة العبقرية التي تنهي حرباً، لكنها تترك داخل صاحبها جرحاً لا يلتئم. فكما غيّرت القنبلة الذرية مسار التاريخ وحاصرت صانعها بأسئلة الذنب والمسؤولية، أنهت حيلة أوديسيوس حرب طروادة، لكنها حملته عبء ما نتج عنها.

ويستحضر الفيلم شخصية «سينون»، التي يجسدها إليوت بيج، بوصفها جزءاً من ذاكرة أوديسيوس المثقلة بالذنب، لتصبح رحلة العودة بحثاً عن الخلاص النفسي بقدر ما هي محاولة للوصول إلى الوطن.

ويمنح مات ديمون الشخصية ثقلاً إنسانياً واضحاً، ناقلاً تحوّل أوديسيوس من قائد يتباهى بدهائه إلى رجل تسحقه تبعات قراراته. ويُعد هذا الأداء من أكثر أدواره نضجاً، نظراً إلى قدرته على الجمع بين القوة الخارجية والانهيار الداخلي من دون مبالغة.

اختيارات التمثيل تفتح باب النقاش

أثارت بعض اختيارات الممثلين نقاشاً حول العلاقة بين حرية المعالجة الفنية والهوية التاريخية أو الأسطورية للشخصيات، ولا سيما مع تقديم جيشي الإغريق وطروادة بتنوع عرقي واضح، وإسناد شخصيتي «هيلين» و«كليتمنسترا» إلى لوبيتا نيونغو.

ولا يمكن التعامل مع The Odyssey بوصفه توثيقاً تاريخياً دقيقاً، إذ ينطلق أساساً من ملحمة أسطورية أعاد الفن تفسيرها مرات كثيرة. ومع ذلك، يبقى من المشروع التساؤل عمّا إذا كان التنوع في اختيار الممثلين قد اندمج عضوياً في رؤية الفيلم، أم بدا في بعض اللحظات أقرب إلى قرار إنتاجي حديث لا يخدم عالم الحكاية بالدرجة نفسها.

لكن هذا الجدل لا ينتقص من قيمة أداء نيونغو، بل يتعلق بطبيعة الرؤية التي اختارها نولان، ومدى قدرتها على الموازنة بين إعادة قراءة الأسطورة والحفاظ على خصوصيتها الثقافية.

سيرسي تكشف الوجه الحقيقي للمحاربين

يقدم الفيلم واحداً من أكثر مشاهده إثارة للقلق مع ظهور الساحرة «سيرسي»، التي تؤدي دورها سامانثا مورتون، وتحويلها رجال أوديسيوس إلى خنازير.

ولا يعتمد المشهد على الرعب البصري وحده، بل يحمل دلالة فلسفية حول هشاشة التحضر الإنساني، إذ تصبح الهيئة البشرية مجرد قناع يخفي خلفه العنف والجشع. وتختصر سيرسي هذه الفكرة حين تعيد الرجال إلى صورتهم البشرية وتقول لهم: «عودوا إلى تنكركم».

ورغم محدودية مساحة الدور، تفرض سامانثا مورتون حضورها بقوة، وتقدم واحدة من أكثر شخصيات الفيلم إثارة للرهبة والتأمل.

آن هاثاواي.. انتظار يتحول إلى مقاومة

تقدم آن هاثاواي أداءً ناضجاً في دور «بينيلوبي»، فلا تظهرها زوجةً تنتظر عودة زوجها فحسب، بل حاكمة تحاول حماية مملكتها وابنها من الانهيار.

وتنجح هاثاواي في نقل إرهاق السنوات الطويلة وقسوة الحصار النفسي، إلى جانب ذكاء الشخصية وقدرتها على المناورة في مواجهة الخطّاب. كما أسهم المكياج، من خطوط العمر إلى خصلات الشعر الرمادية، في ترسيخ أثر الانتظار عليها ومنح حضورها مزيداً من الوقار.

توم هولاند يتجاوز صورة بطل الكوميكس

يشكل توم هولاند إحدى المفاجآت التمثيلية في الفيلم، إذ يبتعد عن صورته المرتبطة بأفلام الأبطال الخارقين، ليقدم شخصية «تيليماخوس» بقدر ملحوظ من الحساسية والنضج.

ويجسد هولاند إحباط الابن الذي يعامله المحيطون به كطفل، بينما يجد نفسه مطالباً بحماية والدته ومملكة والده الغائب. وتتحول رحلة بحثه عن أوديسيوس إلى مسار لاكتشاف ذاته وانتزاع مكانه بوصفه وريثاً قادراً على تحمّل المسؤولية.

روبرت باتينسون يسرق الكاميرا

في المقابل، يقدم روبرت باتينسون شخصية «أنتينوس» بمزيج من الغرور والدهاء والاستفزاز، وينجح في جعل ظهوره مصدراً دائماً للتوتر داخل مشاهد القصر.

ويبتعد باتينسون عن صورة الشرير التقليدي، ليمنح الشخصية حضوراً مترفاً ومتعجرفاً، يخفي خلفه طموحاً سياسياً واستعداداً لاستخدام أي وسيلة للاستيلاء على العرش. ومن خلال هذا الأداء، يتحول «أنتينوس» إلى أحد أكثر خصوم أوديسيوس إثارة للاهتمام.

ويضيف جون ليغويزامو بدوره حضوراً دافئاً في شخصية الخادم الوفي «إيوميوس»، جامعاً بين الطرافة والعمق العاطفي، ومشكلاً سنداً أبوياً لتيليماخوس في ظل غياب والده.

نجوم كبار في أدوار قصيرة

تزخر رحلة أوديسيوس بظهور عدد من النجوم في أدوار محدودة لكنها مؤثرة. وتطل زندايا بشخصية «أثينا»، لتشكل حضوراً رمزياً يرافق البطل خلال رحلته، بينما تظهر تشارليز ثيرون في دور الحورية «كاليبسو»، التي تحتجز أوديسيوس وتضع رغبته في العودة أمام اختبار جديد.

ويستثمر نولان شهرة هؤلاء النجوم لمنح الشخصيات الأسطورية ثقلاً فورياً، من دون الحاجة إلى مقدمات طويلة، لتصبح الأدوار القصيرة جزءاً أساسياً من زخم الفيلم واتساع عالمه.

برودة عاطفية في لحظة الانتظار الكبرى

رغم نجاح الفيلم في بناء رحلة تمتد لسنوات طويلة، لا تبلغ لحظة لقاء أوديسيوس بعائلته الذروة العاطفية المتوقعة.

فبعد كل ما عاشته الشخصيات من حروب وانتظار وفقدان، كان من المنتظر أن يشكل اللقاء لحظة انفجار إنساني تهزّ المتفرج. لكن هندسة نولان الدقيقة وحساباته السردية غلبتا حرارة المشهد، فجاء اللقاء أكثر تحفظاً وبرودة مما يستحقه البناء الدرامي السابق.

وهذه ليست ملاحظة جديدة على سينما نولان، الذي ينجح غالباً في تحريك عقل المتفرج وإبهاره، لكنه يبقى أكثر تحفظاً حين يتعلق الأمر بالتعبير العاطفي المباشر.

سحر IMAX.. البحر يتحول إلى بطل

بعيداً عن الملاحظات السردية، يمثل The Odyssey إنجازاً بصرياً وسمعياً استثنائياً، صُمم ليُشاهد في قاعات IMAX.

ويحوّل مدير التصوير هويت فان هويتيما المحيط إلى شخصية قائمة بذاتها؛ فضاؤه المفتوح لا يمنح أوديسيوس الحرية، بل يتحول إلى سجن شاسع لا تبدو له نهاية. أما العواصف والسفن والمناظر الطبيعية، فتُقدَّم بحجم يضع المشاهد في قلب الرحلة لا أمامها.

وتتكامل الصورة مع موسيقى لودفيغ غورانسون، التي لا تكتفي بمرافقة الأحداث، بل تحمل جانباً كبيراً من توتر الشخصيات وشعورها بالخوف والعزلة والذنب.

كما يجرّد نولان العالم الأسطوري من الزخارف الفانتازية المبالغ فيها، ويقدمه بواقعية خشنة تجعل الوحوش والعواصف أكثر رهبة، وتمنح الملحمة القديمة إحساساً مادياً وحاضراً.

التقييم النهائي: 4.5 من 5

رغم بعض الملاحظات المتعلقة ببرودة المشهد الختامي، وبعض اختيارات التمثيل التي قد تفتح باب النقاش حول هوية العالم الإغريقي، يبقى The Odyssey عملاً سينمائياً ضخماً يبرهن مجدداً على قدرة كريستوفر نولان على الجمع بين الفيلم الجماهيري والطموح الفني.

إنه ليس اقتباساً تقليدياً لملحمة هوميروس، بل معالجة عن الحرب والذنب والعائلة، وعن الثمن الذي يدفعه الإنسان حين تتحول عبقريته إلى لعنة تطارده.

The Odyssey تجربة بصرية وفكرية مذهلة، لا تكتفي بسرد رحلة العودة إلى الوطن، بل تتساءل عمّا إذا كان الإنسان الذي يعود بعد الحرب هو الشخص نفسه الذي غادرها. والأهم أنه يعيد تذكير الجمهور بأن بعض الأفلام لم تُصنع لتُشاهد على شاشة صغيرة، بل لتتحول داخل صالة السينما إلى رحلة كاملة تبتلع الحواس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى