“هدية” ناصيف زيتون.. بغلاف الشامي

متابعة بتجــرد: منذ انطلاقته الفنية، ارتبط اسم ناصيف زيتون بهوية موسيقية واضحة، استطاع من خلالها أن يفرض نفسه واحداً من أبرز نجوم جيله، مستنداً إلى خامة صوتية مميزة، واختيارات غنائية مدروسة، وأعمال صنعت له حضوراً جماهيرياً واسعاً في مختلف أنحاء العالم العربي. إلا أن السنوات الأخيرة حملت مؤشرات واضحة على تراجع الزخم الذي رافق مسيرته، بعدما أصبحت أعماله الجديدة تمر بهدوء أكبر مقارنة بما اعتاده جمهوره في مراحل سابقة.
ويأتي إصدار أغنيته الجديدة “هدية” في هذا السياق، حيث اختار ناصيف التعاون في التوزيع الموسيقي مع فؤاد جنيد، الذي ارتبط اسمه خلال السنوات الأخيرة ارتباطاً وثيقاً بالنجاحات التي حققها الفنان الشامي، بعدما لعب أسلوبه الموسيقي دوراً أساسياً في رسم الهوية السمعية التي ميّزت تلك الأعمال ولفتت انتباه الجمهور.
ومن الطبيعي أن يبحث أي فنان عن تجديد أدواته الفنية أو الاستفادة من تجارب أثبتت نجاحها، إلا أن التجربة تؤكد دائماً أن نجاح أي عمل لا يرتبط بعنصر واحد، بل بمنظومة متكاملة تبدأ بالأغنية نفسها، مروراً بالأداء والهوية، وصولاً إلى توقيت الطرح وتفاعل الجمهور معها.
وفي “هدية”، بدا واضحاً حضور بعض الملامح الموسيقية التي اشتهر بها فؤاد جنيد في أعماله مع الشامي، سواء على مستوى البناء الإيقاعي أو بعض التفاصيل التوزيعية، الأمر الذي دفع كثيرين إلى المقارنة بين التجربتين، خصوصاً أن الأغنية جاءت بعد فترة من الجدل المتكرر على مواقع التواصل الاجتماعي حول هوية النجم السوري الأكثر حضوراً بين فئة الشباب.
لكن، وعلى الرغم من هذا التعاون، لم تنجح “هدية” في تحقيق صدى جماهيري لافت خلال الأيام الأولى من طرحها، إذ مرّ إصدارها بهدوء، من دون أن تفرض نفسها بقوة على المشهد الفني أو تتحول إلى حديث الجمهور كما كان يحدث مع كثير من أعمال ناصيف السابقة، وهو مشهد بات يتكرر مع عدد من إصداراته خلال العامين الأخيرين، التي لم تستطع استعادة الزخم الجماهيري الذي اعتاده في ذروة نجاحاته.
ولا يمكن اختزال هذا الواقع في هوية الموزع الموسيقي أو الأسلوب الإنتاجي وحده، لأن الجمهور لا يتفاعل مع القالب الموسيقي بقدر ما يبحث عن العمل الذي يحمل شخصية صاحبه ويقدم له إضافة حقيقية. فالهوية الفنية لا تُستعار، وإنما تُبنى وتتطور مع الوقت، وهي التي تجعل الفنان قادراً على الحفاظ على مكانته حتى مع تغير الاتجاهات الموسيقية.
وربما تكمن المفارقة في أن تجربة الشامي نفسها تؤكد هذه الفكرة. فبعد الانطلاقة الاستثنائية التي حققها في بداياته، لم تتمكن بعض أعماله اللاحقة من تكرار التأثير نفسه، إذ يرى جزء من المتابعين أن عنصر المفاجأة الذي رافق أعماله الأولى بدأ يتراجع تدريجياً، مع اعتماد متكرر على الصيغة الموسيقية ذاتها، وهو ما انعكس على مستوى التفاعل مع الإصدارات الجديدة مقارنة بما حققته بداياته.
ومن هنا، تبدو الرسالة الأهم أن المنافسة الفنية لا تُحسم بمحاولة الاقتراب من تجربة فنان آخر، حتى وإن كانت ناجحة في مرحلة معينة، بل بالعودة إلى العناصر التي صنعت الهوية الأصلية لكل فنان. وناصيف زيتون يمتلك رصيداً كبيراً من الأغنيات التي كرّسته نجماً جماهيرياً، وأثبتت أن قوته كانت دائماً في شخصيته الفنية الخاصة، وفي اختياراته التي جمعت بين الإحساس والصوت والأغنية القادرة على البقاء.
لذلك، قد يكون الرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة ليس على الاقتراب من الأساليب التي صنعت نجاح غيره، بل على إعادة اكتشاف تلك المعادلة التي جعلت ناصيف زيتون يوماً واحداً من أبرز نجوم جيله وأكثرهم حضوراً في الساحة الغنائية العربية. فالجمهور الذي صنع نجاحاته الأولى لا يزال موجوداً، لكنه ينتظر عملاً يعيد إليه ذلك الإحساس الذي ارتبط باسمه، بعيداً عن المقارنات، وبعيداً عن أي محاولة للظهور داخل قالب فني ارتبط في أذهان المستمعين بتجربة مختلفة.



