نجوى كرم بـ”اشتقتلك”.. حين تبدأ شمس الأغنية فصلاً جديداً

متابعة بتجــرد: حين تكون البداية بصوت نجوى كرم، لا تعود الأغنية مجرّد إصدار جديد، بل تتحوّل إلى حدث فني يحمل ثقل اسمٍ صنع على امتداد عقود جزءاً أساسياً من ذاكرة الأغنية اللبنانية والعربية. هكذا افتتحت شمس الأغنية اللبنانية ألبومها الثالث والعشرين «شو ما صار»، مطلقةً أولى أغنياته بعنوان «اشتقتلك»، في عودة تضع صوتها الاستثنائي مجدداً في قلب المشهد الغنائي.
وبعد أيام قليلة على كشف غلاف الألبوم والإعلان التشويقي الذي مهّد لعالمه، اختارت نجوى كرم أن تكون «اشتقتلك» بوابته الأولى إلى الجمهور، بأغنية لبنانية عاطفية تعيدها إلى المساحة التي طالما امتلكت مفاتيحها: الحب حين يُقال بلا مواربة، والاشتياق حين يتحوّل من إحساس داخلي إلى اعتراف صريح لا يحتمل التأجيل.
وتحمل الأغنية كلمات وألحان إيفان نصّوح، وتوزيع هادي شرارة، فيما تولّى إيلي بربر الميكس والماستر، لتأتي في قالب موسيقي صُمّم بما يخدم واحداً من أكثر الأصوات العربية حضوراً وقوةً وخصوصية.
ومنذ عباراتها الأولى، تدخل نجوى كرم إلى قلب الحكاية من دون مقدمات، فتغني للحبيب الغائب بلهجة العاشق الذي لا يخجل من ضعفه أمام الحب، قبل أن تصل إلى اللازمة «واشتقتلّك.. هي عم قلّك»، التي تختصر ببساطتها وعفويتها كل المسافة بين الكبرياء والحنين.
ولا تحتاج نجوى كرم في «اشتقتلك» إلى استعراض قوتها الصوتية لإثبات ما هو ثابت منذ سنوات طويلة، بل توظّف هذه القوة في خدمة الإحساس. ترفع الجملة حين يحتاج الشوق إلى انفجار، وتلين بها حين يصبح الاعتراف أكثر حميمية، وتمنح الكلمة اللبنانية ذلك الوهج الخاص الذي جعل لهجتها جزءاً أصيلاً من هويتها الفنية.
وتتقدّم الأغنية في نصّها من الاشتياق إلى إعلان حب كامل، يصل إلى ذروته حين تربط استمرار القلب بهذا الغرام وتضعه في منزلة وجدانية شديدة الخصوصية. وبين الحنين والتعلّق والانتظار، تبدو نجوى كرم في كامل سيطرتها على الحالة، بصوت يحمل في طبقاته خبرة السنين من دون أن يفقد حرارة البدايات.
وهنا تحديداً تكمن فرادة نجوى كرم. فبعد مسيرة طويلة وعشرات الأغنيات التي تحوّل الكثير منها إلى علامات في الأغنية اللبنانية، لا تزال قادرة على جعل جملة حب بسيطة تبدو وكأنها تُقال للمرة الأولى. صوتها لا يمرّ فوق الكلمات، بل يمنحها شخصيتها، ولهجتها ليست مجرد خيار غنائي، بل هوية حملتها بإصرار إلى كل العالم العربي، حتى بات اسم نجوى كرم مرادفاً لصورة كاملة من صور الأغنية اللبنانية الحديثة.
وعلى مستوى الصورة، أطلقت «اشتقتلك» بفيديو كليب من إخراج بيار خضرا، في تعاون بصري يواكب افتتاح الألبوم الثالث والعشرين ويمنح الأغنية امتداداً بصرياً للحالة العاطفية التي تحملها.
أما موسيقياً، فيلتقي في العمل إيفان نصّوح وهادي شرارة وإيلي بربر حول صوت يعرف تماماً كيف يحتل المساحة من دون أن يطغى على تفاصيلها. والنتيجة أغنية تحمل روح نجوى كرم بوضوح، وتستند إلى شخصية صوتية يصعب أن تختلط بأي صوت آخر؛ ذلك المزيج بين القوة والدفء، وبين الجبل اللبناني والإحساس العاطفي، وبين الخبرة والقدرة المستمرة على التجدد.
وتكتسب «اشتقتلك» أهمية إضافية لكونها أول أغنية تكشفها نجوى كرم من ألبوم «شو ما صار»، العمل الثالث والعشرين في مسيرة لا يمكن اختصارها بعدد الألبومات أو الأغنيات وحدها. فنجوى كرم تنتمي إلى فئة نادرة من الفنانين الذين تجاوزوا حدود النجاح ليصبحوا جزءاً من هوية فنية كاملة، ونجمةً حافظت على موقعها في الصف الأول عبر أجيال متعاقبة، من دون أن تتنازل عن لهجتها أو لونها أو الشخصية التي صنعت اسمها.
ثلاثة وعشرون ألبوماً ليست رقماً عابراً في زمن تتبدّل فيه الأسماء والأذواق سريعاً، بل شهادة على مسيرة استثنائية استطاعت خلالها شمس الأغنية اللبنانية أن تصنع أرشيفاً ضخماً، وأن تبقى في الوقت نفسه حاضرة في اللحظة الراهنة، قادرة على مفاجأة جمهور عرف صوتها وحفظه، لكنه لا يزال ينتظر جديدها بالشغف نفسه.
وإذا كانت نجوى كرم قد قالت في الإعلان التشويقي للألبوم إن «الحب بغيّر الإنسان»، فإن أولى صفحات «شو ما صار» تأتي لتقول إن بعض الأشياء لا يغيّرها الزمن: صوت نجوى كرم حين يحب، ولهجتها حين تغنّي، وقدرتها على تحويل أبسط اعتراف، «اشتقتلك»، إلى جملة لا تمرّ مروراً عابراً.
بـ«اشتقتلك»، لا تكتفي نجوى كرم بافتتاح ألبومها الثالث والعشرين، بل تفتح فصلاً جديداً من مسيرة فنية كبيرة كُتبت فصولها بالصوت والهوية والاستمرارية. وبعد كل هذه السنوات، تبقى شمس الأغنية اللبنانية في مكانها الطبيعي: نجمةً لا تعيش على تاريخها، بل تواصل صناعة تاريخ جديد كلما وقفت أمام الميكروفون.



