أخبار عاجلة
“ولاد بديعة”.. دراما الصراع على المال والسلطة والنَسبَ

“ولاد بديعة”.. دراما الصراع على المال والسلطة والنَسبَ

متابعة بتجــرد: حجز المسلسل السوري “ولاد بديعة” مكاناً مميزاً بين الأعمال الرمضانية التي يحرص المشاهد على متابعتها، في ظل حالة التشويق التي تسيطر على أحداثه، خاصة أن المخرجة رشا هشام شربتجي اعتمدت في السرد على المشاهد القصيرة، فأصبح المسلسل متسارع الإيقاع ومختلفاً، وأكثر جاذبية. 

أحداث المسلسل تدور في عدة أزمنة، ما بين حقبة الثمانينيات حيث بدأت القصة، ثم في الفترة بين 2009 إلى 2023، وتبدأ أحداثه بمشهد ولادة مختار الدباغ عام 1989 داخل سوق الدباغات القديمة في منطقة الزبلطاني الواقعة على أطراف دمشق، المسلسل أشار من خلال أحداثه إلى المشكلة الرئيسة في الدباغات، هي قلة الجلد وقلة المياه إلى حد بعيد، وخاصة أن دباغة الجلود أكثر صناعة تستهلك المياه، حيث كل قياس قدم من الجلد يحتاج 100 لتر ماء. 

اعتمد البناء الدرامي في مسلسل “ولاد بديعة” على الصراع المستمر بين أبطاله، متخذاً من بيئة المدابغ والعاملين فيها خليفة تدور بها معظم الأحداث، إلى جانب استخدام المرض النفسي والعقلي لشخصيتين أساسيتين، تبني عليهما تسلسل الأحداث، وهما “مختار” ابن الحاج عارف الشرعي، المصاب بانفصام الشخصية، وبديعة المصابة بإعاقة ذهنية، التي اعتدى عليه جنسياً الحاج عارف، وأثمرت العلاقة عن التوأم “ياسين” و “شاهين” اللذين بقيا في كنف الأب وتحت عينيه، دون أن يثبت نسبهما إليه.

تمكنت “شربتجي” بالإمساك بشخصيات العمل وعواطفهم ودوافعهم وخلفيتهم من خلال أنواع مختلفة من أساليب السرد، فاستخدامها المقطع المختصر لإظهار ما تفكر فيه الشخصية، أو تشعر به، مثل “الفلاش باك” أو الخيال أو لقطة رد الفعل، وظهر ذلك واضحاً مع أولاد بديعة وأخيهم مختار.

كما استخدمت المخرجة بتمكن المونتاج، والفاصل الزمني لإظهار التغيير والتقدم في أحوال الشخصيات، ضمن توليفة متعددة الأبعاد من الأحداث والخطوط المتشابكة، والدائرة في صراع بشري مميت على الثروة والنفوذ والنسب، وفي كل مشهد يحتاج إلى صراع، جعلته “شربتجي” أكثر تشويقاً من الناحية البصرية، باستخدام التباين، ما بين الإضاءة والظلال، وساعدها أسلوب السرد في السيناريو، الذي يظهر التباين من خلال خلق بيئات مثيرة لحدوث المشهد.

اضطرابات الشخصية

واعتمدت بعض مشاهد المسلسل على السادية في السرد الدرامي، ولكن هناك عوامل عدة لممارسة تلك السادية، اختلفت من حالة إلى أخرى، ففي مشهد انتقام التوأم “ياسين” و “شاهين” من “مختار” بإخصائه في الحلقة التاسعة، كانت العوامل البيئية من الأسباب الرئيسية في تنمية صفات الشخصية السادية في تلك الحالة، منها التعرض للإيذاء في سن مبكرة وتجارب الإهمال العاطفي في الطفولة، والعيش في بيئة قاسية تعطي أهمية لهذه الصفات، وتعمل على تشجيع وتنمية صفات سادية خصوصا للأطفال، تظهر مع أول فرصة، وفي أي وقت، فلقد تمت تربية التوأم “ياسين” و”شاهين” كأولاد شارع يأخذان حقهما بيدهما، وبينهما وبين أخيهما “مختار” حالة نفور شديدة، وتنافس على الورث.

أما مشهد قيام الطفل “مختار” بشنق قطط “ياسين” و “شاهين”، و “سكر” انتقاماً منهم على تنمرهم المستمر عليه في حلقة سابقة، فنحن هنا أمام شخصية “مختار” المصاب بمجموعة اضطرابات الشخصية كالنرجسية والغضب، والاضطرابات العصبية التي تتسبب في ظهور أعراض شديدة من اضطراب الشخصية السادية والعدوان والاندفاعات. وأما مشهد التناحر بين الديوك، وبطله “جمعة”، فهو الأخ المصاب بالأنانية الشديدة، والذي لا يهتم بمشاعر الآخرين أو آرائهم أو حقوقهم عليه، ويضع نفسه أولاً فوق كل اعتبار.

تلك المشاهد نالت قدراً كبيراً من الاعتراض من الجمهور على أنها ترسخ للعنف، وفي الواقع أنها ليست مقحمة على البناء الدرامي وأهميتها في إظهار تفسير منطقي لاستمرار هذا التشاحن بين أبطاله، فالأمور تعدت مرحلة الميراث.

“عريس وعروسة”

تعتبر شخصية “عارف الدباغ”، التي يقدمها الممثل فادي صبيح، من بين أبرز الشخصيات الموجودة في مسلسل “ولاد بديعة”، ومن خلال التناقض الواضح في سمات شخصيته، تصاعدت الأحداث، بالغوص في خصوصية الدور، وتفاصيل وقوام الشخصية، نجد من خلاله نموذجا لتكوينه جدلية، خصائصها تقع بين الخير والشر وسلوكياته تتطرف بين القوة والضعف، ولكن يسيطر عليه الرغبة والمصلحة، وتحقيق أهدافه، مهما كانت غير إنسانية أو شرعية، ومنها الاعتداء الجنسي على “بديعة” المتشردة التي تعاني إعاقة ذهنية، والتحايل عليها بإحضار وجبة من اللحم، وبأنهما يلعبان “عريس وعروسة” وعندما ينجب منها توأم “شاهين” و”ياسين”، لا يعترف بهما، ويستثمرهما في تحقيق انتقاماته من “أبو هديل”.

“مختار الدباغ”، شخصية تعاني اضطراباً وأمراضاً نفسية، بسبب اتفاق جميع أشقائه عليه، وسلب حقوقه من ميراث والده، ليلجأ إلى الطبيب النفسي، نراه ما بين الحين والآخر تطارده الأوهام، فيحرك يده باتجاه أذنه كمن يطرد الوساوس، فضلاً عن تعاطيه الأدوية المهدئة، وفي مشاهد الماضي نجده يقع فريسة بين قسوة الأب الذي يصر على عمله في المدبغة، وبين الأم التي تشحنه نفسياً ضد الأب الذي فضل عليها “بديعة”، ودوماً تعايره بأصوله المتواضعة، كما أنها ترى أن أصحاب الطبقات الدنيا من المجتمع مجرد حشرات، وعندما يتم الاعتداء عليه ويدخل المصحة، ويعود بعد العلاج، يبدأ رحلة الانتقام من إخوته بعبارة “أنا مختار ابن عارف الدباغ راجع، أجا وقت الحساب”.

التباين الهام في تغير شخصيته بين الحين والآخر، خلفيتها أن “مختار” عاش طوال حياته وحيداً دون إخوة أو أصدقاء، إلا صديقه الذي يعمل طبيباً، وحاول “مختار” التخلي عن أحقاده والعيش بأمان وسلام، ولكن كل شيء يتغير بعد وفاة والدته، والتي يقتلها صديقه الطبيب في المستشفى، ويتهمه بقتلها طالباً منه مبلغاً كبيراً من المال مقابل السكوت، فيضربه “مختار” على رأسه، ويبدأ في حقنه بمواد مخدرة ليصبح مدمنا كما حدث معه من قبل.

خلفية ولاد بديعة النفسية

لفتت سلافة معمار الأنظار بأداء شخصية الراقصة “سكر”، التي عانت منذ البداية من عدم الاستقرار والأمان، وجدتها “بديعة” وهي رضيعة في صندوق قمامة، طفولة “سكر” ترافقها عندما تكبر، إذ إن عقدة حياتها مرتبطة بطفولتها، وبعائلتها الصغيرة التي لا تربطها بها صلة الدم.

“سكر” قوية ظاهرياً لا يهمها كلام أحد، لكنها في الحقيقة ضعيفة جداً ومصابة بالهلاوس البصرية المتعلقة بوالدتها “بديعة”، تتنقل “سكر” من حياة الشارع إلى عالم الكباريه، تربطها علاقة قوية بأخويها غير الشقيقين، وترد الصاع صاعين لكل من يحاول اعتراض طريقهما، شخصية مركبة ومتناقضة، تملكتها في فترة غريزتها للأمومة، ولكن اكتشفت خداع من تعيش معه واستغلاله لها، ثم رفض البلطجي الإنجاب منها، لأنها راقصة.

شخصية شاهين “سامر إسماعيل”، الأقرب في تكوينه الشخصي إلى أبيه “عارف الدباغ”، فهو الحالم بالمصاهرة من عائلة غنية لاكتساب الاحترام والمكانة الإنسانية والمجتمعية، شخصيته تميل إلى الشراسة كي يحصل على بعض من حقوقه، لكن له مواقف إنسانية مع العاملين لديه، كون “شاهين” مع “ياسين” و”سكر” تحالفاً في مواجهة الصعاب، بدأ التحالف بالاستيلاء على الميراث من خلال توقيع الأب الذي يحصلون عليه بعد موته، من خلال فتح المقبرة وتبصيمه على عقود بيع.

يامن حجلي مؤدي شخصية “ياسين”، والمشارك في كتابة المسلسل، إنسان يختلف تماماً عن توأمه “شاهين”؛ ورث عن والده (عارف الدباغ) غرائزه التي تسيطر عليه، ولكنه مختلف عنه عاطفياً، تتمحور حياته حول المال، بخيل جداً، ويفعل أي شيء من أجل المال. لذا؛ يتزوج بقواده، علاقته قوية بشقيقه التوأم شاهين وعلاقته بسكر يغلب عليها الدعم والمحبة، ويتعرض لأزمات كثيرة بسببها.

ويبقى أن سبب نجاح العمل يرجع إلى الأداء الفني المتناغم بين الأبطال، وفهم أبعاد كل شخصية من مؤديها، خاصة سلافة معمار التي غيرت جلدها تماماً بهذا العمل، ومحمود نصر “مختار الدباغ” فقد امتلك نواصي شخصية المريض النفسي دون افتعال. 

في نهاية الأمر “ولاد بديعة” يحمل بين طياته مفردات الدراما السورية، المنكهة دوماً بالتفاصيل والعلاقات الإنسانية المتشعبة، وكانت ستزداد قيمته الفنية إذا اختصرت حلقاته، فهناك شخصيات وأحداث مقحمة على العمل، واختفاؤها كان سيزيد وتيرة الأحداث، وغالبيتها شخصيات ثانوية، على رأسها عائلة “أم جمعة”.

إلى الأعلى