أخبار خاصة

إليسا توقّع «أليسار».. اسمٌ تُعرَف به حقبةٌ كاملة من الغناء العربي

إيلي أبو نجم – بتجــرد: طرحت النجمة اللبنانية إليسا مساء الخميس 5 تشرين الثاني 2026 ألبومها الرابع عشر «أليسار»، بأربع عشرة أغنية أُتيحت دفعةً واحدة على المنصّات الموسيقية وعبر قناتها الرسمية على يوتيوب. ويحمل العمل اسمها الحقيقي، وقد تولّت إنتاجه عبر شركتها «إي ريكوردز»، بالتعاون للمرّة الأولى مع «بيليف لخدمات الفنانين». وتولّى مهندس الصوت بيرني غروندمان المعالجة الصوتية النهائية للألبوم.

للانتظار الذي سبق «أليسار» ما يفسّره في مسيرة إليسا. فقد جمعت في الألبوم الواحد نصوصًا ولهجاتٍ مختلفةً، ومنحتها بصوتها قرابةً تسمح لأغنية لبنانية وأخرى مصرية بأن تبدوا فصلين في الحكاية نفسها. وحين يعود المستمع إلى واحدٍ من تلك الألبومات، يستعيد معه تفاصيلَ زمنٍ من حياته. ولهذه المكانة وجهها في تاريخ الصناعة أيضًا. ففي زمن الأقراص المدمجة، نالت إليسا جائزة الموسيقى العالمية ثلاث مرّات عن مبيعات «أحلى دنيا» و«بستناك» و«تصدّق بمين».

العودة إلى الاسم الذي سبق الشهرة

في السابع والعشرين من تشرين الأول، يوم ميلادها، أطلقت إليسا الإعلان التشويقي لألبومها الرابع عشر وأرفقته بعبارة «Back to Basics»، أي «العودة إلى الأساس». وقدّمت العمل هديّةً إلى الجمهور الذي انتظرها وظلّ إلى جانبها. وفي الإعلان، الذي أخرجه إيلي فهد، تتوقّف حركة المارّة المنشغلين بهواتفهم، وتحلّ في أيديهم أقراصٌ من ألبومات إليسا السابقة.

تحدّثت إليسا في التعليق الصوتي عن المقارنة المستمرّة بالآخرين، وعن التقدّم الذي يحقّقه المرء حين يختار ما يوافق حقيقته ويتجاوز ما كان عليه بالأمس. ومن هنا يأتي الحصان الأبيض، الذي يظهر أيضًا على غلاف الألبوم، رمزًا للقوّة التي يجدها الإنسان في نفسه. أمّا مشهد الأقراص فيردّ السامع إلى زمنٍ ارتبط فيه الألبوم بطقسٍ من الإصغاء، حين كان المستمع يقتني العمل ويمضي مع أغنياته، واحدةً تلو الأخرى.

وحين كشفت إليسا عن عنوان العمل في الثلاثين من تشرين الأول، أوضحت أنّها ترى في اسمها الحقيقي قصّتها وهويّتها، وما كانت عليه وما يمكن أن تصير إليه. وجاء اختيار «أليسار» امتدادًا لفكرة الإعلان. فالنجمة التي عرف الجمهور اسمها الفنّي على أغلفة ثلاثة عشر ألبومًا، توقّع هذه المرّة باسمها الأوّل.

ويحيل العنوان أيضًا إلى الملكة الفينيقية أليسار، التي تنسب إليها الرواية القديمة تأسيس قرطاج. وكانت إليسا قد تحدّثت عن الصلة بين اسمها واسم الملكة أمام جمهور مهرجان قرطاج في آب الماضي. ويجد هذا البُعد صداه في ألبومٍ تحتفي فيه إليسا بحقّها في أن تتولّى زمام قرارها الفنّي.

حرّية القرار وحقّ الموسيقى في أن تُسمع كاملةً

وفي رسالة مصوّرة قبل الطرح بيومين، قالت إليسا إنّ ظروفًا صعبة وتحدّيات جعلت التحضير للألبوم يستغرق وقتًا أطول ممّا توقّعت. واختصرت المرحلة التي بلغتها بكلمة «تحرّرت». وشرحت أنّها صارت قادرة على أن تنتج ألبومها بالطريقة التي تقتنع بها، وأن تحتكم في اختياراتها إلى الصدق والإحساس اللذين عرفها بهما الجمهور منذ البداية، بعيدًا عن ضغط الرواج السريع وسباق الأرقام والمراتب. تلك هي العودة إلى الأساس في كلامها، عودةٌ إلى نفسها وإلى الموسيقى التي وجدت فيها، طوال مسيرتها، طريقتها في التعبير والوصول إلى الناس.

وتتّصل حرّية الاختيار أيضًا بطريقة إصدار العمل. فقد أتاحت إليسا «أليسار» كاملًا منذ اليوم الأوّل، وهو ثاني ألبوم تنتجه عبر شركتها بعد «أنا سكتين» الصادر عام 2024. وبذلك أخذ مشهد الأقراص في الإعلان معناه في الإصدار نفسه. يمضي المستمع مع الأغنيات من أوّلها إلى آخرها، ويكتشف كيف تتجاور فيها نشوة الحبّ ومشقّة التعلّق به واستعادة النفس بعده، ثم يعود إلى الأغنية التي وجد فيها شيئًا من حكايته.

من فرح الليل إلى كشف الحساب

يضمّ «أليسار» تسع أغنيات باللهجة المصرية، وأربعًا باللهجة اللبنانية، وواحدةً باللهجة الخليجية. وتفتتح إليسا الألبوم بـ«ليل يا ليل»، من كلمات ملاك عادل وألحان محمد يحيى وتوزيع هادي شرارة. الليل هنا شاهدٌ على الطريق الذي قطعه اثنان حتى أصبح الفرح ثمرةً لصبرهما. وفي مخاطبته كأنّه يتذكّر معهما، تستعيد الأغنية ما كلّفهما الوصول إلى هذه اللحظة، فتمنح البهجة في مطلع الألبوم قصّةً سبقتها.

وتأتي «هبطّل أحب» بامرأة تنظر في ما دفعته من راحة بالها لتبقى في علاقة اختلّ فيها ميزان الأخذ والعطاء. كتبها نادر عبد الله، ولحّنها تامر عاشور، ووزّعها جلال حمداوي. ويستمدّ قرار الرحيل قوّته من تفصيلٍ واضح في النصّ. فالمرأة تعرف أنّ لها، خارج تلك العلاقة، حياةً تستطيع أن تفرح فيها وحدها.

ومن حزم القرار إلى صراحة الاعتراف، تأتي «بدّي ياك» بكلمات علي المولى ولحن مروان خوري وتوزيع هادي شرارة. يبدأ النصّ من نسيانٍ مألوف، فننسى مواضع الأشياء وأسماء بعض مَن مرّوا بنا، ثم يصل إلى الذاكرة التي تأبى أن تتخلّى عمّن أحبّته. وتختصر صورة عود الثقاب اشتعالَ قلبٍ تؤمن صاحبته بأنّ العمر يتّسع لهذا الحبّ مرّةً واحدة.

وفي «كشف الحساب»، يستعير نادر عبد الله مفردات الدفاتر والتصفية ليروي كيف يبدو الماضي حين تعيد امرأةٌ قراءته بعد الخديعة. لحّنها عزيز الشافعي ووزّعها أحمد إبراهيم. وتمضي صاحبة الحكاية في تخيّل ردّ الأذى حتى يغدو الغضب نفسه أكبر من قدرة الثأر على إسكات وجعها.

شتا الرياض وأفق جديد لصوت إليسا

وتأتي «شتا الرياض» لتسجّل أول أغنية أصلية لإليسا باللهجة الخليجية. كتبها عبد الله الملحم، ولحّنها رامي الشافعي، ووزّعها عمر صبّاغ. وبين الرياض والخُبر، يمنح النصّ الشوق مكانًا وطقسًا. تتبدّل المدينة، ويظلّ صوت الغائب حاضرًا في الخلوة، حتى يغدو المطر مقياسًا لما في القلب من حنين.

ولهذه الخطوة وزنها في ألبوم تعود فيه إليسا إلى أساس تجربتها. فالنجمة التي ألف جمهورها سماعها باللبنانية والمصرية تضيف لهجةً جديدة إلى ألبوماتها، وتختار لها موضوعًا في صميم ما أحبه المستمعون في غنائها منذ البداية. إنّه ذلك الشوق الذي يظلّ حاضرًا بعد اتّخاذ قرار الرحيل.

ويتّسع المعنى في «مطارات»، التي كتبها ولحّنها مروان خوري ووزّعها داني خوري. فالمسافر يبدّل الرحلات والمسارات، ويظلّ وجه الحبيب قادرًا على اللحاق به من مدينة إلى أخرى. ومن أجمل ما يلتقطه النصّ أن الإنسان قد يضيّع ملامح نفسه في محاولته الابتعاد، بينما يبقى وجه مَن يحبّه أوضحَ ما يحمله معه.

ما يبقى من الحبّ بعد المواجهة

في «ما تلاقيناش»، من كلمات أحمد المالكي وألحان محمد يحيى وتوزيع أحمد أمين، يصل اثنان إلى نهاية المحاولة بعدما صار الحفاظ على العلاقة جهدًا يبذله طرفٌ واحد. ويتّخذ قرار الرحيل معناه الكامل حين تدرك المرأة كم دفعت من نفسها وهي تعذر الآخر، وتنتظر منه أن يخطو نحوها.

وتأخذ القوّة معنًى آخر في «سهلة الأذية». كتبها أحمد راؤول، ولحّنها أحمد زعيم، ووزّعها أحمد عبد السلام. تعرف صاحبة الحكاية أنّ في وسعها ردّ الأذى، وتبلغ استقلالها حين تستعيد قدرتها على رؤية مَن خذلها من غير أن يهتزّ فيها شيء. وإلى جوار «كشف الحساب»، تبدو الأغنيتان وجهين للغضب نفسه، في لحظة احتدامه وفي اللحظة التي يفقد فيها مَن تسبّب به سلطته.

وفي «يبليك بالحب»، يعود الشاعر محمد رفاعي إلى التعاون مع إليسا، ويتولّى أحمد إبراهيم التلحين والتوزيع. وتحمل عبارة العنوان شيئًا من فطنة النصّ. تبدأ دعاءً على الحبيب بأن يذوق ما فعل الشوق بصاحبة الحكاية، ثم تتّسع لتشمل مَن لاموها على الحبّ، فتتمنّى لو عرفوا بأنفسهم ما يوجعها فيه وما يجعلها تقبل بذلك الوجع.

وتمنح إليسا الخيال فسحةً في «احتمال»، من كلمات أمير طعيمة وألحان وليد سعد وتوزيع تميم. تبحث المرأة عن تفسير لألفةٍ تبدو أقدم من اللقاء نفسه، فتتخيّل حياةً سابقة عرف فيها كلٌّ من الحبيبين الآخر، وتستدعي في سبيل ذلك صور البيت فوق الجبال والبحر والنايات. وفي تكرار كلمة «احتمال» ما يحفظ للّقاء دهشته، فكلّ إجابة تفتح إمكانًا جديدًا.

أمّا «وشّي نوّر»، فتجمع من جديد نادر عبد الله وتامر عاشور بعد «هبطّل أحب»، ويتولّى توزيعها أحمد إبراهيم. هنا يُرى أثر الحبّ في الملامح، ويُحَسّ في دفء اليد ورقّة النظرة، حتى يبدو أنّ الحبيبة تعيش في الحاضر أيّامًا حسبت أنّها فاتتها. ويكشف اتّساع المسافة بين الأغنيتين، مع الشاعر والملحّن نفسيهما، مدى تنوّع الشخصيّات التي تختار إليسا أن تغنّي بلسانها.

العناق الأخير والغرفة المغلقة

في «عطيني غمرة»، التي كتبها ولحّنها مروان خوري ووزّعها هادي شرارة، تأخذ الدقائق الباقية بين حبيبين قيمةً يعرفها مَن يوشك على الوداع. وبعد استنفاد الكلام في ما حصل وما كان يمكن أن يحصل، يكفي طلب العناق ليحمل رجاء أن تبقى لهما لحظةٌ يفرحان بها معًا.

وتغنّي إليسا «وعدني» من كلمات سهام الشعشاع وألحان أيمن قميحة وتوزيع كميل خوري. في طلب الوعد خوفٌ من الفقد، وفي صورة الحبيب بوصفه بيتًا وعنوانًا ما يفسّر ذلك الخوف. ويغدو فهم الصمت بين الاثنين دليلًا على أُلفةٍ تريد صاحبة الحكاية أن تطمئنّ إلى بقائها.

وتختتم إليسا الألبوم بـ«الأوضة الضلمة»، من كلمات عزيز الشافعي وألحانه وتوزيع أحمد عبد السلام. في صورة الغرفة المغلقة يتجسّد ضيق علاقةٍ التبس فيها الحبّ بالتعلّق المؤذي، حتى صار على المرأة أن تستعيد بعض الوقت لنفسها كي تفهم ما جرى لها. وبين الليل الذي اتّسع لفرح اثنين في الافتتاح، والغرفة التي ضاقت بامرأة في الختام، يكتسب ترتيب الأغنيات معناه. فالصوت الذي احتفى في البداية بقوّة أن يجد الإنسان سندًا في الآخر، يبلغ في النهاية لحظةً يحتاج فيها الإنسان إلى أن يجد ذلك السند في نفسه.

إليسا اسمٌ تُعرَف به حقبةٌ كاملة من الغناء العربي. بنت نجوميّتها بألبوماتٍ صاغت لغةً للغناء العاطفي يعرفها الجمهور من الجملة الأولى، وحملت اسمها إلى منصّات التكريم العالمية، وصولًا إلى تكريمها في حفل «بيلبورد» للنساء في الموسيقى عام 2024. وفي «أليسار»، يتجلّى ثقلها في صناعة الألبوم نفسه. يجتمع حول اسمها كبار الشعراء والملحّنين والموزّعين، وتلتقي في صوتها أعمالهم على اختلاف لهجاتها وألوانها لتأخذ هويّةً واحدة. وتوقّع إليسا ألبومها الرابع عشر باسمها الحقيقي، فنّانةً ومنتجةً وصاحبةَ الكلمة الفصل في العمل الذي تقدّمه.

قالت إليسا «Back to Basics» وهي تعود إلى نفسها وإلى الموسيقى. وللموسيقى العربية أساسياتها أيضًا، وفي مقدّمتها ألبومات إليسا. صنعت بها معيارًا للألبوم الغنائي الكبير، وأبقت للإصدار الكامل ثقله من زمن الأقراص المدمجة إلى زمن المنصّات. وحين تطرح «أليسار» بأغنياته الأربع عشرة دفعةً واحدة، يكفي اسمها ليضع الألبومَ الكامل في صدارة الموسم الغنائي. كلّما أصدرت إليسا ألبومًا، كان هو الحدث. واليوم، الحدث اسمه «أليسار».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى