نوال الزغبي.. مسارٌ غنائيّ راسخ يتجدّد في “يا مشاعر”

رأي بتجــرد: في مسارٍ فني يمتدّ لأكثر من ثلاثة عقود، تبدو نوال الزغبي واحدة من أكثر التجارب النسائية رسوخًا واستمرارية في تاريخ الأغنية العربية المعاصرة. حضورها لم يكن نتاج مرحلة عابرة أو موجة جماهيرية مؤقتة، بل مشروعًا غنائيًا متدرّجًا في النضج، قائمًا على بناء هوية صوتية واضحة، واختيار موسيقي مدروس، وقدرة متجددة على قراءة تحولات الذائقة العربية من دون التفريط بخصوصيتها الفنية التي صنعت فرادتها منذ التسعينيات.
منذ انطلاقتها، قدّمت نوال الزغبي نموذجًا مختلفًا للنجومية النسائية في البوب العربي؛ نجومية تجمع بين الرقيّ الأدائي والحداثة اللحنية، وبين الحسّ العاطفي المباشر والاشتغال التقني على تفاصيل الصوت والتوزيع. لم تكن أغنياتها مجرد نجاحات ظرفية مرتبطة بزمنها، بل تحوّلت، مع تراكم السنوات، إلى أرشيف وجداني لجيلٍ كامل، حيث احتفظت أعمالها بقدرتها على التداول والاستماع المتجدد، في مؤشر واضح على امتلاكها ما يُعرف في النقد الموسيقي بصفة “الخلود الشعبي”.
هذا الامتداد الزمني للنجاح لا يُفسَّر فقط بالاختيارات اللحنية الناجحة، بل ببناء شخصية غنائية ثابتة المعالم. فصوت نوال الزغبي، بطبقته الأنثوية الدافئة وقدرته على المزج بين الرقة والقوة، شكّل محورًا بنيويًا في تجربتها، ما منح أغنياتها قابلية الاستمرار خارج إطار الزمن الإنتاجي الذي وُلدت فيه. لذلك، بدت مسيرتها سلسلة متصلة لا قفزات متباعدة، حيث تتجاور المراحل وتتراكم، بدل أن تنقض إحداها على الأخرى.
ويأتي ألبومها الأخير “يا مشاعر” ليكرّس هذه المعادلة بوضوح. فالعمل لم يُقدَّم بوصفه محاولة للعودة أو إثبات حضور، بل كامتداد طبيعي لمسار فني ناضج يعرف أدواته وجمهوره وحدوده الجمالية. منذ إطلاقه في صيف 2025، أثبت الألبوم أنه محطة مفصلية جديدة، قبل أن يرسّخ اليوم مكانته كأحد أبرز الإصدارات العربية جماهيريًا ورقميًا، بعدما تجاوز مجموع مشاهدات أغنياته عبر يوتيوب حاجز 45 مليون مشاهدة، في دلالة على استمرارية حضوره وتجدده داخل المشهد المعاصر.
قوة “يا مشاعر” لا تكمن في أرقامه فحسب، بل في بنيته الفنية المتماسكة. فقد قدّمت نوال الزغبي فيه مشروعًا موسيقيًا متنوع الحالات، انتقلت خلاله بسلاسة بين الإحساس العاطفي في “يا مشاعر” و”كان ليك وحشة”، والنبض الشبابي في “أجي بالدلع” و“إنت مين”، مرورًا بالمقسوم المصري الحديث في “ماضي وفات”، وصولًا إلى المساحة الرومانسية العميقة في “الله كبير” و“حب وتفاصيله”. هذا التنوع لم يبدُ تشتتًا، بل انعكاسًا لنضج فني وقدرة دقيقة على إدارة اللون الغنائي ضمن هوية موحدة.
كما عكس الألبوم رؤية إنتاجية واعية، تمثّلت في مزج الحداثة الإلكترونية بالدفء الشرقي، بما منح العمل طابعًا معاصرًا من دون أن يفقد جذوره التعبيرية. هنا تحديدًا تتجلى خبرة نوال الزغبي الطويلة: التجدد من داخل الهوية، لا على حسابها. وهي معادلة صعبة في سوق موسيقي سريع التحول، نجحت في تحقيقها عبر مسيرتها، وتبلغ في “يا مشاعر” صيغة متقدمة من النضج والتوازن.
أما التفاعل الجماهيري الواسع الذي رافق الألبوم، وتداول مقاطعه عبر منصات التواصل، خصوصًا تيك توك وإنستغرام، فيكشف بوضوح قدرة نوال الزغبي على العبور بين الأجيال؛ إذ لم يبقَ جمهورها محصورًا في ذاكرة التسعينيات والألفية، بل امتدّ إلى مستمعين جدد يتلقون صوتها بوصفه معاصرًا لا ماضيًا. وهذه سمة نادرة في تجارب فنية طويلة العمر، حيث يتحول الإرث غالبًا إلى عبء، بينما نجحت هي في جعله رصيدًا متجددًا.
إن نجاح “يا مشاعر” اليوم لا يُقرأ كإنجاز منفصل، بل كحلقة جديدة في سلسلة حضور ثابتة تؤكد أن استمرارية نوال الزغبي لم تكن صدفة زمنية، بل نتيجة رؤية فنية واعية وشغف متواصل بالموسيقى. فهي من القلائل اللواتي استطعن الحفاظ على موقعهن في طليعة النجمات العربيات عبر تحولات كبرى في الصناعة والذائقة، من عصر الكاسيت إلى المنصات الرقمية، من دون أن تفقد صورتها أو نبرتها أو صدقيتها.
هكذا، وبعد أكثر من ثلاثين عامًا، تبدو نوال الزغبي تجربة غنائية مكتملة الملامح: صوتًا أنثويًا حافظ على بريقه، وأغنياتٍ اكتسبت صفة الخلود الشعبي، ومسارًا يعرف كيف يتجدّد من داخل ذاته. وفي هذا السياق، يرسّخ “يا مشاعر” مكانته كأحد أبرز نجاحات مرحلتها الراهنة، مؤكّدًا أن النجومية الحقيقية لا تُقاس بوهج اللحظة، بل بقدرة الزمن على تثبيتها، وهي المعادلة التي لا تزال نوال الزغبي تكتبها، عامًا بعد عام.



