بتجرد

نجوى كرم في عيدها.. صوتُ لبنان الذي غدا ذاكرةً عربية

رأي بتجــرد: في السادس والعشرين من شباط من كل عام، يتجدّد موعد ثقافي وفني مع اسمٍ لم يعد مجرّد نجمة في سجلّ الأغنية العربية، بل تحوّل إلى مرجعية قائمة بذاتها: نجوى كرم. عيد ميلادها لا يُقارب بوصفه مناسبة شخصية تخصّ فنانة ناجحة، بل محطة تأمل في مسار استثنائي أسهم، على مدى أكثر من ثلاثة عقود، في ترسيخ ملامح الهوية الصوتية اللبنانية داخل المشهد العربي العام، وفي صون خصوصيتها في زمن التماثل الفني العابر للحدود.

منذ انطلاقتها في مطلع التسعينيات، قدّمت نجوى كرم مشروعًا فنيًا واعيًا ومتماسكًا، يقوم على تثبيت اللهجة اللبنانية الجبلية في قلب الأغنية العربية المعاصرة، وعلى تطوير البنية الإيقاعية الفولكلورية دون تفريغها من روحها الأصلية. لم تتعامل مع التراث بوصفه مادة للزينة أو النوستالجيا، بل بوصفه مادة حيّة قابلة للتجدد، فنجحت في تحويل الأغنية اللبنانية من إطارها المحلي إلى خطاب موسيقي عربي واسع الانتشار، من دون أن تفقد نكهتها الجغرافية أو صدقها التعبيري.

نجوى كرم ليست حالة جماهيرية فحسب، بل ظاهرة صوتية ذات فرادة تقنية واضحة. ما يُعرف اصطلاحًا بـ“الصوت الجبلي” بلغ معها ذروته الأكمل: مساحة صوتية مفتوحة، قدرة عالية على الإمساك بالطبقات الحادة دون خشونة، وثبات أدائي حافظ على جودته عبر الزمن في مشهد نادر بين الأصوات التي امتد عطاؤها لعقود. هذا الثبات لم يكن مجرد موهبة فطرية، بل حصيلة انضباط مهني صارم، ووعي عميق بأن الاستمرارية في موقع الريادة مسؤولية يومية لا امتياز مكتسب.

وفي سياق التحولات التي شهدتها الأغنية العربية، حيث تراجعت الخصوصيات المحلية لصالح قوالب إنتاجية متشابهة، بدت نجوى كرم أشبه بخط دفاع متقدم عن الهوية الموسيقية اللبنانية. لم تنخرط في موجات التحديث السريع على حساب الجذور، بل قدّمت نموذجًا معاكسًا: حداثة من داخل التراث، لا فوقه. ومن هنا تحديدًا اكتسبت تجربتها قيمتها المرجعية، إذ أثبتت أن الانتشار العربي لا يقتضي التنازل عن المحلية، بل يمكن أن ينبثق منها ويُبنى عليها.

أما علاقتها بالجمهور، فشكّلت بدورها عنصرًا بنيويًا في صورتها الفنية. حضورها المسرحي لم يكن أداءً غنائيًا فقط، بل طقسًا احتفاليًا يستعيد معنى اللقاء المباشر بين الفنان وبيئته الاجتماعية. العفوية التي تميّز تواصلها، والوضوح الذي يطبع خطابها، والاعتزاز المعلن بجذورها، كلها أسهمت في تكريس صورة المرأة اللبنانية القوية الواثقة، فغدت نجوى كرم، مع الوقت، تمثيلًا ثقافيًا يتجاوز الغناء إلى الهوية.

في عيد ميلادها اليوم، لا تبدو نجوى كرم فنانة تحتفل بعمرٍ جديد، بل مسيرة تحتفل بثباتها. حضورها المتواصل في صدارة المشهد، وقدرتها على الحفاظ على وهجها الجماهيري والنوعي معًا، يؤكدان أن ما حققته لم يكن نجاحًا مرحليًا، بل تأسيسًا طويل الأمد لرمزٍ فني راسخ. إنها ذاكرة صوتية لمرحلة كاملة من تطور الأغنية اللبنانية والعربية، وصوتٌ أسهم في تثبيت معادلة صعبة: الأصالة يمكن أن تكون معاصرة، والهوية يمكن أن تكون جسرًا لا حاجزًا.

في السادس والعشرين من شباط، يُحتفى بنجوى كرم بوصفها إحدى آخر القامات التي أبقت للأغنية اللبنانية ملامحها الواضحة داخل الفضاء العربي الواسع؛ قامةٌ كتبت حضورها بصوتٍ جبليٍ صافٍ، وبمسارٍ مهنيٍ صلب، وبانتماءٍ لم يتبدّل. ولهذا، فإن الاحتفاء بها اليوم هو، في جوهره، احتفاء باستمرارية قيمة فنية نادرة في زمن سريع التبدّل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى