كارمن لبس في “الخروج إلى البئر”.. أداء يكتب الذاكرة من الداخل

متابعة بتجــرد: يؤكد حضور الممثلة اللبنانية كارمن لبس في مسلسل «الخروج إلى البئر» أن الأداء التمثيلي، حين يستند إلى وعي درامي عميق وخبرة متراكمة، يتحول إلى عنصر تأسيسي في بنية العمل لا مجرد إضافة إلى نسيجه. المسلسل، الذي يقدّم مقاربة درامية لمرحلة مفصلية من التاريخ السوري، يجد في شخصية «سمية» التي تجسدها لبس أحد أعمدته الإنسانية الأكثر تأثيراً، حيث يتقاطع الخاص بالعام، والذاتي بالوطني، في أداء شديد الكثافة والصدق.
شخصية مركّبة… ومساحات متعدّدة
تقدّم كارمن لبس «سمية» كشخصية متعددة الطبقات، تتنقل بين الماضي والحاضر، وبين التحولات الفكرية والاجتماعية التي فرضتها المرحلة. هي المرأة التي تتبدّل ظاهرياً، من الحجاب إلى عدمه، لكنها تحتفظ في العمق بخيط إنساني واحد يربط أدوارها المتعددة: الحبيبة، الأم، المواطنة، والناجية من ذاكرة ثقيلة.
اللافت في أداء لبس قدرتها على تفكيك هذه التناقضات من دون افتعال، فتمنح كل طبقة زمنها الدرامي ومساحتها الشعورية، في توازن دقيق بين الانفعال المكبوت والتعبير الصريح. هكذا تتحول الشخصية إلى مرآة لتحولات مجتمع كامل، لا إلى حالة فردية معزولة.
اقتصاد تعبيري… وذاكرة في العينين
تعتمد كارمن لبس في هذا الدور على أداء داخلي مكثّف، يقوم على الاقتصاد في الحركة والنبرة، ويترك للعينين مهمة قول ما يتعذّر قوله. هذا الأسلوب ينسجم مع طبيعة العمل الذي يشتغل على الصمت بقدر اشتغاله على الحوار، وعلى الذاكرة بقدر اشتغاله على الحدث.
وفي مشاهد المواجهة أو الانكسار، لا تلجأ لبس إلى الذروة الانفعالية المباشرة، بل تبني التحول تدريجياً، بحيث يبدو كل تغير في الشخصية نتيجة حتمية لمسارها النفسي والاجتماعي. هذا النضج الأدائي يرسّخ حضورها كأحد أعمدة الثقل التمثيلي في العمل.
داخل بنية نصّية معقّدة
يأتي أداء لبس منسجماً مع نص سامر رضوان الذي يتجنب المباشرة والشعارات، ويشتغل على الإنسان داخل منظومة الخوف والسلطة. شخصية «سمية» ليست أداة خطاب، بل كائن حيّ يتصارع مع ماضيه وخياراته المحدودة، وهو ما تلتقطه لبس بوعي واضح لبنية النص المتوازية بين الداخل والخارج.
فالسجن في «الخروج إلى البئر» ليس مكاناً فقط، بل حالة ذهنية تمتد إلى العلاقات والذاكرة، وشخصية لبس تتحرك في هذا الفضاء المركب كجسر إنساني بين العالمين، ما يمنحها وظيفة درامية تتجاوز حدودها الفردية.
انسجام مع أداء من العيار الثقيل
يتجاور حضور كارمن لبس مع ثقل تمثيلي يقوده جمال سليمان وعبد الحكيم قطيفان، في منظومة أداء جماعي متماسك. وإذا كان سليمان يحمل مركز الشخصية الرئيسية، ويقدم قطيفان تركيباً نفسياً بارداً ومقلقاً، فإن لبس تضيف البعد العاطفي-الإنساني الذي يمنح العمل توازنه الشعوري.
هذا الانسجام يعكس إدارة ممثلين دقيقة ورؤية إخراجية واعية، حيث لا يطغى نجم على آخر، بل تتكامل المساحات ضمن نسيج واحد، يجعل لكل شخصية أثرها الضروري في المعادلة الدرامية.
كارمن لبس… حضور يرسّخ المعنى
في «الخروج إلى البئر»، لا تكتفي كارمن لبس بتقديم دور مؤثر، بل تكتب عبر «سمية» ذاكرة امرأة ومرحلة معاً. أداء يزاوج بين الحساسية والصلابة، وبين الحضور الهادئ والعمق العاطفي، ليؤكد مرة جديدة أن الممثلة اللبنانية، حين تدخل منطقة درامية معقدة، تعرف كيف تحوّلها إلى مساحة إنسانية نابضة.
بهذا الدور، تكرّس لبس موقعها كواحدة من أهم ممثلات جيلها، قادرة على حمل الشخصيات المركبة إلى مستويات تتجاوز النص، وتبقى في ذاكرة المشاهد طويلاً.





