مراجعة فيلم One Battle After Another.. صراع لا ينتهي مع الماضي

متابعة بتجــرد: منذ الإعلان عن فيلم One Battle After Another، بدا واضحًا أن الجمهور أمام حدث سينمائي مختلف، ليس فقط لكونه التعاون الأول بين ليوناردو دي كابريو والمخرج بول توماس أندرسون، بل لأن اسم أندرسون وحده ارتبط دائمًا بتجارب سينمائية ذات هوية خاصة. الفيلم من تأليف وإخراج بول توماس أندرسون، وإنتاج شركة وارنر براذرز، وقد طُرح في دور العرض أواخر شهر سبتمبر، ليحقق سريعًا حضورًا قويًا ويُصنَّف ضمن أنجح أفلام العام.
قصة إنسان يحاصره الماضي
تدور أحداث One Battle After Another حول رجل يحاول بدء حياة هادئة بعد أن ترك خلفه ماضيًا مليئًا بالصراعات، معتقدًا أن تلك المرحلة انتهت إلى غير رجعة. إلا أن هذا الاستقرار لا يدوم طويلًا، إذ يعود الماضي فجأة ليضعه أمام سلسلة جديدة من المواجهات.
ومع تصاعد الأحداث، يجد البطل نفسه في صراع مزدوج: مع خصومه السابقين من جهة، ومع ذاكرته وخساراته وأسئلته القديمة من جهة أخرى. الفيلم لا يُقدَّم كحكاية مطاردة تقليدية، بل كرحلة داخلية تتناول فكرة الذنب، والعنف المتوارث، واستحالة الهروب الكامل من الماضي. السرد يتقدّم عبر سلسلة من المواجهات المتتابعة، حيث لا يمنح السيناريو شخصياته فرصة طويلة لالتقاط الأنفاس، ما يخلق حالة توتر مستمرة تحافظ على تماسك العمل رغم تعدد مساراته.
مدة الفيلم وإيقاعه
رغم امتداد مدة الفيلم نسبيًا، نجح One Battle After Another في تجاوز اختبار الزمن دون الوقوع في فخ الملل. الإيقاع المتغيّر والمونتاج الذكي ساهما في خلق توازن بين لحظات التوتر والمشاهد الإنسانية الهادئة، ما منح العمل سلاسة لافتة وجعل المشاهدة تجربة متماسكة ومتصاعدة.
أداء تمثيلي لافت
يقدّم ليوناردو دي كابريو واحدًا من أكثر أدواره تركيزًا في السنوات الأخيرة، مجسّدًا شخصية إنسانية معقّدة تتأرجح بين الهزل والجد، وبين الرغبة في حماية ابنته والعجز عن تجاوز ماضيه. اعتمد دي كابريو على الكوميديا السوداء دون التخلي عن العمق الدرامي، ما جعل الشخصية قابلة للتصديق حتى في أكثر اللحظات غرابة.
في المقابل، يطل شون بن بأداء قوي مدعوم بمكياج لافت ينسجم مع عالم الفيلم ويمنح الشخصية المقابلة ثِقلًا واضحًا. أما بينيسيو ديل تورو، فنجح في ترك بصمته رغم المساحة المحدودة، مقدّمًا لحظات خفيفة ومؤثرة في آن واحد، من أبرزها رقصة قصيرة تحوّلت إلى مشهد أيقوني في ذاكرة الجمهور. كما برزت شخصية “ويلا” بدور محوري، مقدّمة علاقة إنسانية مؤثرة بين الأب وابنته، فيما لفتت Teyana Taylor الأنظار بأداء قوي في شخصية “بيرفيديا”، وُصف بأنه من أفضل الأداءات السينمائية خلال العام.
إبهار بصري وموسيقى مؤثرة
بصريًا، يُعد الفيلم من أكثر أعمال بول توماس أندرسون متعة على مستوى التكوين والحركة، خصوصًا في مشاهد المطاردة التي جاءت بطابع ملحمي يخدم الفكرة الأساسية للعمل. التصوير السينمائي التقط الفوضى بحس جمالي محسوب، وحوّل التنقّل السريع بين الأماكن إلى لغة بصرية تعبّر عن مطاردة الماضي للشخصيات.
أما الموسيقى التصويرية التي وضعها جوني غرينوود، فجاءت معتمدة على الغيتار والبيانو، لتتحول إلى عنصر سردي موازٍ يرافق الشخصيات ويعكس توترها الداخلي، ويُعمّق من تأثير المشاهد.
نجاح جماهيري وترشيحات قياسية
تتجاوز قيمة One Battle After Another حدود كونه فيلم مطاردة، ليطرح تساؤلات إنسانية عميقة حول العلاقات العائلية، والخسارات، وإمكانية البدء من جديد. ومع حصول الفيلم على 13 ترشيحًا لجوائز الأوسكار، يصبح ثاني عمل في مسيرة ليوناردو دي كابريو يصل إلى هذا الرقم بعد Titanic. وتشمل الترشيحات فئات كبرى مثل أفضل فيلم، أفضل إخراج، أفضل ممثل، أفضل سيناريو، وأفضل تصوير سينمائي، إلى جانب جائزة أفضل كاستينغ التي تم استحداثها هذا العام.
التقييم النهائي
حصل فيلم One Battle After Another على تقييم 4 من 5، ليؤكد مكانته كعمل سينمائي متكامل يجمع بين المتعة البصرية والعمق الإنساني، ويقدّم تجربة ثرية يُفضّل مشاهدتها على الشاشة الكبيرة، حيث تكتمل تفاصيل الرحلة الفنية بكل أبعادها.



