الفيلم السعودي “بسمة”.. حفلة لاستعراض المواهب

الفيلم السعودي “بسمة”.. حفلة لاستعراض المواهب

متابعة بتجــرد: إذا بحثت عن بيانات فيلم “بسمة” على موقع “السينما دوت كوم” سوف تجد المعلومات التالية: الفيلم إنتاج “نتفليكس”، إخراج فاطمة البنوي، تأليف فاطمة البنوي. فريق العمل فاطمة البنوي. ولا شئ آخر.

بالتأكيد لم يقصد محرر الموقع أن يقول أن الفيلم لا يشارك به فنانون آخرون، من ممثلين ومدير تصوير ومونتير وإنتاج.. إلى آخره، ولكن هذه المعلومات الناقصة تعكس بشكل كبير حالة الفيلم الذي يمكن وصفه بأنه One Woman Show، فصاحبته، فاطمة البنوي، التي كتبته وأخرجته ولعبت بطولته وشاركت في إنتاجه مع محمد حفظي (فيلم كلينيك)، تبدو وكأنها تريد أن تظهر قدراتها وعضلاتها الفنية كلها مرة واحدة، وهو أمر، رغم جرأته، محفوف بالمخاطر.

فاطمة البنوي ممثلة موهوبة شاركت بالعديد من الأفلام والمسلسلات الناجحة، كان أولها “بركة يقابل بركة” للمخرج محمود صباغ (2016)، حيث قدمت صورة عصرية للمرأة السعودية، ثم شاركت في مسلسل “الشك” الذي كتبته لتقدم نفسها كمؤلفة صاحبة عقل أيضاً، وأعقبتهما بعدة أدوار تمثيلية يبدو أنها لم تكن مشبعة بالقدر الكافي لها، ومن ثم قررت أن تقوم بقفزة كبيرة في مسيرتها بصنع فيلم تكون مسئولة عنه من الألف للياء.

يحمل الفيلم اسم “بسمة”، الشخصية الرئيسية التي تؤديها البنوي، وهي فتاة سعودية تواصل دراستها الجامعية العليا في الولايات المتحدة تعود إلى مسقط رأسها في جدة بعد عامين من الغياب، لتفاجأ بأن والديها انفصلا وأن الأب، الذي يعاني من مرض عقلي يتفاقم قد ترك منزل الزوجية وعاد إلى بيتهما القديم، حيث يعيش كالسجين محاصراً بين هلاوس “البارانويا” التي تجعله يشك في أقرب الناس إليه، ويخاف من تناول الأدوية أو فتح النوافذ لأشعة الشمس.

بسمة تحب أبيها بشدة، وتنحاز إليه ضد أمها وأقارب أبيها، وتقرر أن تنتقل للإقامة معه، على أمل أن وجودها بجواره من شأنه أن يساهم في تحسين حالته.

انحياز بسمة لأبيها يبدو أنه عائد لارتباطها الزائد به، وليس له ما يبرره من وقائع ومنطق، وتحتاج إلى وقت والعديد من المواقف لكي تكتشف في النهاية أنها كانت مخطئة، ومن ناحية أخرى يتعين عليها أن تعيد النظر في علاقتها بصديق طفولتها وحبيبها الذي رفضت عرضه بالزواج منذ عدة سنوات، دون أن تتمهل في محاولة فهم مشاعره ومشاعرها.

بسيطة الفكرة، ولطيفة، ولكنها لا تذهب بعيداً، وتجربة بسمة سطحية لا تحمل نوعاً من الوعي أو التحرر من الوهم، يمكن للمشاهد أن يتماهى أو يتعاطف معه، إذ تظل بسمة وحكايتها كأنها تجري لبعض الجيران من خلف زجاج شرفة يغطيها ورق الصحف، مثل الشرفة التي يختبئ خلفها والد بسمة.

شخصية بسمة، التي يحمل الفيلم اسمها، وتدور الأحداث حولها، هي فتاة متعلمة، مثقفة، محبة للإنسانية (تتبرع بشعرها لمريضة سرطان في بداية الفيلم)، ولكنها في الحقيقة بعيدة عن الحياة نفسها، وعن أسرتها، لا تعلم شيئاً عن حقيقة ما يدور في المنزل، ولا معاناة وتضحيات أمها، وهي تحمل داخلها مركب “إلكترا” التي تحب أبيها وتغار من أمها، بالرغم من أنه خط يمر عليه الفيلم بشكل عابر.

الإطار العام للشخصية جيد جداً، ولكن التجربة التي تمر بها والتحول الذي يحدث لها كان يحتاجا إلى مزيد من الصدمات والألم والاكتشاف لعيوبها الشخصية ولمدى تعقد وصعوبة الحياة.

ولأن بسمة هي محور الفيلم ونجمته الوحيدة، فإن رسم الشخصيات الأخرى يبدو أحادي أو ثنائي الأبعاد، رغم أن هناك أكثر من شخصية كانت تحتاج إلى مزيد من التطوير، وعلى رأسها شخصية الأم التي يتضح مع الوقت أنها أكثر الشخصيات معاناة وحكمة وإنسانية، وكذلك شخصية العم والأخ والحبيب.

ولأن السيناريو بسيط أكثر من اللازم، فالحوار بالتبعية “عادي” ولا يزيد عن توصيل بعض المعلومات عن الشخصيات، وبالتبعية أيضاً فإن الممثلين ليس لديهم شئ يفعلونه سوى تحمل اتهامات وسوء ظن بسمة وأبيها، وقمة التصعيد الدرامي تتمثل في مشهد مواجهة بين بسمة والأب، يفقد تأثيره في المشهد التالي عندما نتأكد أن الأب “غير طبيعي”.

مع ذلك لا يخلو الفيلم من تصوير جميل وإيقاع سلس، وموسيقى شجية، وهذه العناصر الفنية الجيدة توفر مشاهدة ممتعة وخفيفة للمشاهد، كذلك لا يخلو الفيلم من بعض المشاهد المتميزة كتابة وتمثيلاً، مثل مشهد الحلم/ الكابوس، الذي ينتاب بسمة، أو موقف ازدهار زهرة الحب بينها ورفيق طفولتها، الذي لا يجيد التعامل بالكلمات، وبدلاً من أن يخبرها بأنه يحبها يكتفي بذكر اسمها.

يحسب للفيلم أيضا أنه يرسم صورة مختلفة، أكثر عصرية، وإشكالية، للمرأة السعودية الجديدة، متمثلة في شخصية بسمة التي تحصل على قسط كبير من التعليم، ومساحة كبيرة من الحرية، وعليها دائماً أن توفق بين هويتها الخارجية العصرية وجذورها العائلية والوطنية.

إلى الأعلى