أخبار عاجلة
هل سيكون “الأيرلندي” حصان “الأوسكار” الرابح.. بعد أيام؟

هل سيكون “الأيرلندي” حصان “الأوسكار” الرابح.. بعد أيام؟

متابعة بتجـــــــــرد: كيف بدأ كل ذلك بحق السماء؟ يسأل الايرلندي نفسه وهو يراجع تفاصيل ما حدث له وحوّله من سائق شاحنات الى قاتل أجير.. والإجابة كما يصورها لنا الفيلم تكون بلقاء عابر وقصير بين ذلك السائق الذي تعطلت شاحنته، وشخص ساعده بإصلاحها ومضى في طريقه!

فيلم “الايرلندي” الذي يتوقع له أن يكون أحد الأوراق الرابحة في حفل الأوسكار المقبل (9 فبراير 2020)، مأخوذ عن رواية تحمل عنوانا غريبا بعض الشيء؛ “سمعت أنك تطلي المنازل” للكاتب تشارلز برنت، أما الطلاء المقصود هنا فسيكون بلون الدم البريء الذي سيسفكه كثيرا ذلك الرجل الايرلندي، الذي يدعى شروان، ويؤدي دوره العبقري روبرت دي نيرو في واحد من أدوار العمر.

رغم أن الفيلم لم يمض على عرضه الجماهيري حول العالم في “نتفلكس” سوى شهرين تقريبا، فان الشهرة التي حصدها جعلت منه حديث عشاق السينما، وحتى أولئك الذين يستغربون كيف يمكن أن ينفق مبلغا يفوق المئة والخمسين مليون دولار لانتاج فيلم سينمائي لن يعرض على الشاشات السينمائية الا لأسبوعين، ثم تحتكر “نتفلكس” عرضه عبر شاشتها الصغيرة!

لكن الفيلم الذي اشتهر حتى الآن بأنه من أغلى وأطول الأفلام، اذ تستمر فترة عرضة لثلاث ساعات ونصف الساعة، حظي بإشادات كبيرة من النقاد الذين رأوه، خصوصا عند عرضه، بشكل خاص ومحدود، في الدورة 56 لمهرجان نيويورك السينمائي في سبتمبر 2019.

بعض المتعة وبعض الخسارة

أعترف أنني لم أستطع متابعة الفيلم في جلسة واحدة بسبب طوله، لكنني أعترف أيضا أنني خسرت بعض المتعة الإضافية عندما شاهدته مجزأ على ثلاث جلسات في ثلاث ليال متتابعة، فالفيلم لا يحتمل التقطيع، بسبب الأسلوب الإخراجي الذي اعتمد فيه مخرجه، مارتن سكورسيزي، وهو منتجه أيضا، على البناء التصاعدي شديد التوتر، خاصة أن كاتب السيناريو ستيفن زاليان نجح في كتابة سيناريو عبر أكثر من خط زمني، حيث تتقاطع تلك الخطوط وتتوازى أحيانا بطريقة منطقية أبعد ما تكون عن الرتابة.

الفيلم يبدأ بشروان المسن في دار للراعية، وهو يحاول استذكار مراحل حياته السابقة منذ أن كان بطلا من أبطال الحرب، حتى أصبح قاتلا أجيرا، مرورا بعمله في قيادة الشاحنات وفق منظومة عمالية كبيرة.. وفي كل تلك المراحل لا يبدو على شروان سلوك الندم وهو يسرد تفاصيل طلائه المنازل، أو إقدامه على قتل ضحاياه بدم بارد، فهو كان يؤدي المهمات المطلوبة منه بنجاح كبير، ثم يعود ليمارس دوره كزوج محب وأب حنون.

قراءة نفسية

الفيلم، الذي يصنف باعتباره دراما تشويقية للجريمة، أو دراما للسيرة الذاتية أو السرد التاريخي، يعتمد على القراءة النفسية الدقيقة لشخصياته المتنوعة التي قدمها المخرج بتقنيات تصويرية متقدمة جدا، فكان الزمن يمضي على هذه الشخصيات بترتيبات مختلفة من الأقدم فالأحدث، أو بالعكس، من دون أي ارتباك في الملامح التي كانت تتجاوب مع حركة الزمن بسلاسة متقنة جدا.

لم يحتج الممثلون الى خدع المكياج هذه المرة لكي يبدوا أصغر أو أكبر، فقد تكفلت التقنيات الحديثة في التصوير والمونتاج بذلك، وبقي أمامهم قراءة أدوارهم تلك القراءة النفسية التي ساعدتهم على تقديم الشخصيات كما لو كانت تعيش خارج الشاشة بكل تعقيداتها البشرية. فهنا لا يوجد أبطال ومجرمون وفقا للتقسيمات السينمائية المعتادة، بل هي تحولات إنسانية على هامش التحولات السياسية وعلاقتها بعالم الجريمة المنظمة، والتي غالبا ما تبرز على سطح الأحداث وكأنها من طبائع الأحوال.

عبقرية سكورسيزي

لأن الفيلم طويل جدا ولا يمكن للمشاهد أن يتابعه من دون الاستعانة بعنصر التشويق الآني، فلن أعمد الى حرق تفاصيل القصة، لكنني لن أفوت فرصة التعبير عن انبهاري المتجدد بثلاثي الأداء الرجالي، فالفيلم يخلو من أدوار نسائية كبيرة، لكننا كمشاهدين لن نشعر بذلك في ظل التناغم الفريد الذي ظل يتصاعد مشهدا بعد مشهد ما بين روبيرت دينيرو وأل باتشينو والعائد بعد غيبة جو بيشي. ولا شك أن هذا التناغم لم يكن ليحدث في فيلم اعتمد على الكادرات المتنوعة الكثيرة وحركة الكاميرا الدقيقة في المشهد الواحد لولا عبقرية سكورسيزي الذي استعان في هذا الفيلم بكل امكاناته الفردية، بالإضافة الى التقنيات الحديثة المتطورة جدا ليقدم تحفة تستحق أن تكون ختاما لمسيرته السينمائية.. إن أرادها كذلك!

Loading...
إلى الأعلى