جميل راتب: تلك الحياة التي أحبّها

جميل راتب: تلك الحياة التي أحبّها

متابعة بتجـــــــــــــــــــرد: حالة من الحزن الشديد سيطرت على الجمهور العربي بعد وفاة الفنان القدير جميل راتب، الذي فارق دنيانا عن عمر 92 عاما، قضى سنواته الأخيرة منها يعاني من أمراض الشيخوخة، إذ تدهورت حالته الصحية في الأسابيع الماضية وظل متنقلاً بين المستشفيات في باريس ومصر بعد عدم قدرته على الحديث بشكل طبيعي، نظراً لانخفاض صوته وإقرار الأطباء بعد إجراء الفحوصات أن صوته لن يعود مجدداً مثلما كان.

كان لجميل فلسفة خاصة في الموت؛ فلم يخف منه يوماً بل كان ينتظره بشغف ليرتاح، فقد سبق أن وصفه بأنه راحة من كل المشاكل الحياتية، مثل المرض وكبر السن، مشيراً إلى أنه راضٍ مؤخراً عن حياته، لكن رضا من دون حب، وطالب راتب في وصيته التي أعلنها مدير أعماله هاني التهامي، عدم إقامة عزاء له والاكتفاء بإقامة الجنازة فقط.

أقر جميل أنه يخاف من الموت معذَّباً بمرض، وأوضح أن الموت سيقرّبه من محبيه ممن فقدهم، مثل والده وأصدقائه وكثيرين ممن يحبهم، وأنه سيكون بمثابة لقائهم والعيش معهم ولكن بشكل مختلف، فهو المجهول بالنسبة له الذي ليس لديه تفسير واضح.

بعيداً عن الموت ورأي راتب الخاص به، فكان محباً للحياة التي عاشها قبل أن تتسلل الشيخوخة إلى جسده، فكان له مشوار طويل مع الفن بدأه وهو شاب هاوٍ في جامعة الحقوق الفرنسية في مصر، ثم سافر إلى فرنسا لتكملة دراسته لرفض أسرته تماماً أن يدرس التمثيل والعمل به من دون أن تكون لديه شهادة أخرى أساسية، مثل تفكير كثير من العائلات وقتها، وذلك يعود إلى عدم إيمانهم بالتمثيل الذي اعتبروه “عيباً”، فاضطر إلى أن يسافر إلى فرنسا لاستكمال دراسة الحقوق، وفي الوقت ذاته دراسة التمثيل لإرضاء ميوله. لكن لم يستطع جميل استكمال دراسة الحقوق والسياسة، فلم يسجّل حضوراً في الكلية سوى ليوم واحد فقط، حيث كان عالم التمثيل يناديه ويجتذبه بكل قوته، فالتحق بأحد معاهد التمثيل الخاصة في فرنسا، ولكن مع هذا القرار حدثت مشاكل بينه وبين أسرته فتوقفوا عن توفير المال له، فلم يجد الفنان من حل أمامه سوى أن يعمل في فرنسا طيلة الوقت ليستطيع سداد مصروفاته الدراسية، وكذلك الإنفاق على احتياجاته اليومية. فقبِل العمل ككومبارس في بعض الأفلام الفرنسية بعد حالة النشاط الفني التي شهدتها البلاد من تمثيل وإخراج وكتابة، وذلك بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، كما كان يتم الاستعانة به أحياناً في الترجمة. وعمل في المقاهي، وحمالاً في سوق الخضراوات في أحد ضواحي فرنسا، واقترب جميل من عالم بسيط كان يجهله تماماً، فتعلم الكثير من هؤلاء البسطاء الذين كان يجمعهم هدف واحد وهو حماية أنفسهم من الزمن بالعمل، وكان الفن في فرنسا مختلفاً، فالفنان كان على عاتقه مهمة خدمة المجتمع بأي شكل ومختلف الطرق، ولا يقتصر دوره فقط على الوقوف أمام الكاميرات.

لم يحب جميل راتب حياة الأرستقراطية التي نشأ فيها، فكانت ميول ذويه وأفكارهم لا تليق بالعالم البسيط الذي اختاره لنفسه، ونفى كثيراً أن يكون والده أو والدته أجنبيين، بل أوضح أنهما مصريان، وعمته كانت السيدة هدى شعراوي، ووالده وأعمامه شاركوا في الثورة ضد الاحتلال البريطاني عام 1919.

كان المسرح الذي ابتعد عنه سنوات طويلة، بمثابة العشق له، فلطالما وقف على خشبته في فرنسا منذ عام 1946، وقدم أدواراً مهمة وصلت إلى البطولة المطلقة، وذلك لصوته المميز ولغته الفرنسية التي كان يتقنها، فقدم في فرنسا عدداً كبيراً من العروض المسرحية مثل “سوء تفاهم” و”قفزة الموت”، وقدم خمس مسرحيات لشكسبير، وانتقل جميل راتب للعمل بالسينما في فرنسا منذ عام 1955 بأدوار ثانوية، وكان أول فيلم في فرنسا يشارك فيه هو “ترابيز”، ثم قدم عدة أفلام، حتى جاءه فيلم “لورانس العرب” مع المخرج ديفيد لين، وفتح له هذا العمل أبواب السينما الفرنسية، وقدم شخصية “ماجد”، وشاركه الفيلم الفنان الراحل عمر الشريف، ثم توالت أعماله العالمية.
وبعد سنوات طويلة، تحديداً عام 1974، عاد جميل راتب إلى مصر، ونظراً إلى عدم وجود فنانين قديرين وقتها، يقدمون أدوار الشر مثل الفنان الراحل محمود المليجي، أو لرحيل آخرين، فكانت الفرصة جيدة للفنان الراحل أن تفتح السينما المصرية أبوابها له، فقدم دور بطولة مطلقة في فيلم “ولا عزاء للسيدات” مع الفنانة فاتن حمامة والمخرج بركات، وتوالت أعماله السينمائية كبطل، وقدم أفلاماً مهمة في تاريخ السينما المصرية مثل “شفيقة ومتولي” مع سعاد حسني، و”وداعاً بونابرت” للمخرج يوسف شاهين، و”جنينة الأسماك” و”ليلة البيبي دول”، وغيرها، وقدم كذلك أعمالاً تليفزيونية عديدة مهمة مثل “أحلام الفتي الطائر” مع عادل إمام و”زينب والعرش”، و”ضمير أبلة حكمت” مع فاتن حمامة، و”زيزينيا” و”رحلة المليون” و”الراية البيضا”، وعلى الرغم من شهرة هذا العمل الذي قدمه أمام الفنانة القديرة الراحلة سناء جميل، إلا أن جميل لم يستمتع بالتمثيل فيه مثلما اعترف في لقاء له، إذ أكد أن الدور الذي جسّده كان قريباً للغاية من شخصيته الحقيقية، وهو يفضّل عمل شخصية بعيدة تماماً عنه حتى تأخذ مجهوداً، مشيراً إلى أنه يحب الشخصيات الصعبة التي تحتاج إلى تحضيرات طويلة وينفصل فيها تماماً عن ذاته. وفي أواخر التسعينيات سافر إلى تونس وقدم هناك بعض الأفلام مثل “حلق الوادي” و”شيش خان”، وأعمال أخرى عديدة دفعت الرئيس التونسي قايد السبسي إلى منحه وسام الاستحقاق الوطني عام 2016.

Loading...
إلى الأعلى